Tuesday, August 31, 2010

الأنثربولوجيا الاجتماعية والتنمية

الأنثربولوجيا الاجتماعية والتنمية - 1
بقلم: عبد المنعم خليفة خوجلي


مقدمة
ظل التنوع الإثني والثقافي الذي تزخر به بلادنا دوماً عنصر جذب للباحثين في حقل الدراسات الاجتماعية ومحوراً لاهتمامهم؛ بل ونستطيع القول بأن علم الأنثربولوجيا الاجتماعية على نهج المدرسة البريطانية قد تأسس بناء على المادة الإثنوغرافية الثرية التي كتبها الرواد من الأساتذة المؤسسين لهذا العلم عن القبائل السودانية (النوير والزاندي والشلك والنوبة والمسيرية) ، كما سيأتي في سياق هذا المقال.

ورغم الشروخ العميقة، والقروح الباقية التي أصابت النسيج الاجتماعي السوداني في العقود الأخيرة نتيجة للحروب التي انتشرت في مختلف أرجاء البلاد، وما نتج عنها من مآسي إنسانية ونزوح، مضافاً إليها الجفاف وتدهور البيئة، فإن جذوة الأمل لم تخبو في نفوس الوطنيين. فهم لا يزالون يثقون في أن ذلك الثراء الإثني والثقافي سيظل مصدر إثراء عظيم ودعم لنهضة سودان المستقبل. وهذا المقال ليس بدراسة أكاديمية بل هو عبارة عن انطباعات وذكريات تاريخية عن فترة كنت قد ارتبطت فيها بعلم الأنثربولوجيا الاجتماعية، رأيت أن أسجلها علها تكون مفيدة كمدخل للنظر في كيفية توظيف مثل تلك العلوم الاجتماعية بفعالية لخدمة قضايا الوطن الملحة. لقد أصبح ضرورياً، بل مصيرياً لمستقبل السودان ووحدته رتق النسيج الاجتماعي بالسير على نهج التنمية المتوازنة اقتصادياً وثقافياً. وللدراسات الاجتماعية في تقديري دور يمكن أن تقوم به في وضع أساس سليم لذلك. المهم هو توفر العزيمة الوطنية لبناء وطن يسع الجميع، ويحترم كافة الثقافات، ويعمل على تطويرها
.

ذكريات تاريخية
تأسست كلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية بجامعة الخرطوم في عام 1958م، وكان علم الاقتصاد قبل ذلك يدرس بكلية الآداب. وتصادف أن كنت ضمن طلاب الدفعة الأولى التي قبلت بتلك الكلية الوليدة، والذين كان عددهم 59 طالباً وطالبة واحدة (هي السيدة نفيسة حسن زلفو). وكان عدد الطلاب الذين قبلوا بجميع كليات الجامعة في ذلك العام حوالي المائتين؛ واعتبر ذلك عدداً كبيراً جاء في ظل ظروف التوسع في التعليم الجامعي تجاوباً مع الطموحات التي تولدت إثر استقلال البلاد، والذي كان قد مضى عليه عامان آنذاك.

كان عميد الكلية الأول ومؤسسها هو الدكتور سعد الدين فوزي، من الرعيل الأول من الأساتذة السودانيين بالجامعة، (عليه رحمة الله، فقد توفي في عام 1959م - بعد عام واحد من تأسيس الكلية). وهو مثقف وطني ذو أفق عريض واهتمام بقضايا الوطن والمجتمع. كان محور اهتمامه الخاص الحركة العمالية في السودان، وقد جعلها موضوع أطروحته لنيل درجة الدكتوراة. وقد كان للحركة العمالية في تلك السنوات إسهام كبير في النضال الوطني، لما ظلت تتمتع به من وعي واستنارة وحيوية. من الجدير بالذكر أن الدكتور سعد الدين فوزي شاعر أيضاً، وله ديوان شعر منشور وهو خال الشاعر الراحل الدكتور محمد عبد الحي.

العلم الرئيس الأول الذي كان يدرس بالكلية هو الاقتصاد، والعلم الرئيس الثاني كان هو الأنثربولوجيا الاجتماعية. وكانت هناك علوم أخرى يختار الطلاب بعضاً منها لتكملة العدد المطلوب وفقاً للمناهج المعدة. ومن بين تلك العلوم: الفلسفة، والجغرافيا (بروفيسور ليبون)، واللغة الإنجليزية (بووفيسور موراي وبروفيسور إيوين)، والتاريخ (بروفيسور كولنسون وبروفيسور ثيوبولد)؛ وهي علوم تدرس في كلية الآداب. لهذا نشأ ترابط بين الكليتين، حيث كان طلاب كلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية يشاركون طلاب الآداب في دراسة تلك العلوم. من تلك العلوم الاختيارية أيضاً الرياضيات لمن هم مؤهلون لدراستها وفقاً للمستوى الذي بلغوه في الرياصيات والرياضيات العليا في نتيجة الشهادة السودانية (كامبردج آنذاك)، (وكنت أحدهم). كنا ندرس الرياضيات البحتة مع طلاب الهندسة والعلوم الرياضية (بروفيسور هيجنز وبروفيسور حليم).

بينما كان هناك هذا التداخل بين الكليات في دراسة بعض العلوم، كما أشرت لذلك، إلا أن دراسة الأنثروبولوجيا الاجتماعية كانت علماً اختصت به كلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية، ولا يشارك فيه طلاب كلية الآداب ولا أي كلية أخرى.

لم نكن في البداية، ونحن مقدمين على دراسة الأنثربولوجيا الاجتماعية، مدركين بوضوح معالم هذا العلم الجديد، والأهمية التي تجعل منه علماً رئيسياً في هذه الكلية التي تؤسس في الجامعة للمرة الأولى، وذلك في إطار التطوير الذي يشهده التعليم الجامعي بعد الاستقلال. كانت في أذهاننا في ذلك الوقت أفكار غامضة حول هذا العلم وارتباطه بالاستعمار! وتركيزه على دراسة المجتمعات البدائية في إفريقيا، والتي هي في الغالب من مستعمرات الإمبراطورية البريطانية. مثل تلك الأفكار غير المحددة، وغير المستوثق منها علميا،ً ربما كان مبعثها الحساسية التي تولدت لدينا - ونحن في فورة الشباب، وفي ظروف التعبئة ضد الاستعمار في سنوات الاستقلال الباكرة تلك، وفي وقت بدأت فيه حركة التحرر الوطني تنتظم مختلف البلدان القارة الإفريقية، بل بلدان العالم الثالث بأسرها. ومن بين الأنثربولوجيين البريطانيين الذين استهوتنا كتاباتهم بروفيسور ماكس جلكمان (من جامعة مانشستر) والذي كان له موقف ناقد للاستعمار، وله احترام لثقافات الشعوب؛ فهو مثلاً يرى أن في عادات ومعتقدات النوير والزاندي (بما فيها نظرتهم للسحر) الكثير من الأصالة والتماسك. لبروفيسور جلكمان كتاب صغير الحجم وسهل الهضم عنوانه التقاليد والصراع في إفريقيا Custom and Conflict in Africa .

كان أساتذتنا الأوائل الذين يدرسوننا هذا العلم يحاوروننا مدافعين عن الأنثربولوجيا الاجتماعية، ويردون على مخاوفنا بقولهم: إذا سلمنا جدلاً بأن الإدارات الاستعمارية كانت توظف نتائج ذلك العلم في إدارتها لشعوب المستعمرات، فإن في مقدور البلدان المستقلة أن توظفه أيضاً في تحسين فهمها لمواطنيها، والارتقاء بأسلوب إدارتهم وتنميتهم.
غير أننا من الناحية الأخرى كنا نثق في أن الفكر المستنير للدكتور سعد الدين فوزي، ورؤيا الإدارة الوطنية للجامعة، وهي في أول عهدها، لا بد وأن تكون وراء تأسيس هذا العلم ليتكامل مع الاقتصاد، نظراً للأهمية الخاصة لسيادة الترابط بينهما من أجل توازن التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستقبلية التي تنتظر السودان المستقل.
يتبع..

1 comment:

  1. خصومات الان وباقل الاسعار الرائعة التى لا مثيل لها الان وعلى اعلى مستوى ممكن من شركات امن وحراسة التى لا مثيل لها الان وعلى اعلى مستوى ممكن وباقل الاسعار الرائعة والمختلفة التى نقدمة الان من شركات الامن والحراسة التى لا مثيل لها الان وعلى اعلى متوى ممكن وباقل الاسعار الراعة والمختلفة الان ايضا الان من شركات امن وحراسة بالقاهرة التى لا مثيل لها الان وباقل الاسعار الرائعة وامختلفة

    ReplyDelete