Thursday, September 2, 2010

أوراق أكتوبرية

أوراق أكتوبرية - 1 -

عبد المنعم خليفة خوجلي

حلت في الأيام الماضية الذكرى الثالثة والأربعين لثورة أكتوبر المجيدة . وكلما حلت هذه الذكرى العطرة يستبد بنا نحن أبناء الجيل الذي عايشها وشارك فيها حنين غامر لاستعادة أجواء تلك الفترة المشرقة من تاريخ بلادنا ، والتي ترسبت أحداثها في دواخلنا ، وتعمقت في وجداننا كالنقش في الحجر. فعلى الرغم من مضي ما يزيد على الأربعة عقود من الزمان لا تزال تتردد في أذهاننا ، داوية ومنغمة ، أصداء أناشيدها الخالدة ذات المعاني السامية ، والمعبرة عن " فرحة نابعة من كل قلب .." ، وهدير هتافاتها وشعاراتها المنتقاة بعفوية ( رغم ما في ذلك التعبير من تناقض) ، إذ أنها شعارات صاغتها العبقرية الشعبية التي رسمت للثورة خطاها وأبدعت لها مسارها . غير أننا نلاحظ بأسف أن ذكرى ثورة أكتوبر بدأت تتعرض لقدر من التعتيم وعدم الاحتفاء ؛ وكأنها تثير حساسية عند البعض من الذين يخشون انطلاق مارد الحرية والوعي والتحديث من قمقمه مجدداً كما حدث في تلك الهبة التاريخية.

لقد توحدت في أكتوبر جماهير الشعب وبادرت وأخذت زمام أمرها وفقاً لأسلوب حضاري بديع أرسى تقاليد وسوابق إيجابية للثورات البرتقالية اللاحقة . ويذكرنا المناخ العام للثورة والروح الأكتوبرية التي فجرتها - بدون مبالغة - بأجواء الثورة العالمية التي سرت وسط الشباب على امتداد العالم في نهاية عقد الستينيات من القرن الماضي ، تغذيها أجواء التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا، وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، ومقاومة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، ورفض الحرب في فيتنام، وحركة المطالبة بالحريات في دول شرق أوروبا . إن تلك الهبة الوطنية الجسورة والرائعة تستدعي قدراً من التوقف للتقييم والتعلم واستقاء الدروس ، بهدف تصحيح مسارنا الوطني .

كثيراً ما يثير لنا أبناء الجيل الحديث التساؤلات حول كيف نجحت الثورة ذلك النجاح الباهر، ومن أين لجماهير أكتوبر تلك الإمكانية التنظيمية الخلاقة ، والقدرة على الوصول إلى الأهداف بتلك الكفاءة المشهودة وفي ذلك الزمن القياسي ؟ ومن وراء تلك التساؤلات يلوح شغف هؤلاء الشباب وتطلعهم إلى تحقيق طموحات الوطن في الوحدة الوطنية والتنمية والتقدم من خلال هبة شعبية يتوفر لها مثل ذلك الدفع والعنفوان الأكتوبري.

بكل تأكيد سيظل التقييم العلمي لثورة أكتوبر مطلوباً ؛ ويقع عبء الاضطلاع بتلك المهمة على عاتق المؤرخين الوطنيين من الذين يتمتعون بالمعرفة والمقدرة ، ويتميزون بقدر عال من الموضوعية والتجرد ، خاصة وأنه - وللمفارقة- أن من عملوا على تفريغ ثورة أكتوبر من مضامينها ، أصبحوا هم أكثر الناس ادعاء لبطولاتها ، وأكثرهم ترويجاً للزعم الزائف أنهم من صناعها !

في محاولتي تقديم إضاءة حول تساؤلات جيل الشباب تلك ، لا أدعي شمولاً أو مؤسسية في التناول ؛ بل ما أقدمه يمثل رؤية وانطباعات واحد من أبناء جيل أكتوبر الذين عايشوا الثورة في أوجها واصطلوا بوهجها ، وتسنت لهم المشاركة الفاعلة في مؤسسات المجتمع المدني التي أدت تراكمات نضالها المنظم والمستمر إلى النتيجة الباهرة المتمثلة في تلك الهبة الشعبية العظيمة ، وأعني بذلك تمتعي بشرف عضوية لجنة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم خلال السنوات الثلاث الحافلة التي سبقت أكتوبر ( 1961-1963 ) ( ترأس الاتحاد خلال هذه السنوات كل من : علي محمود حسنين - علي نور الجليل - يوسف حسين ). ولعل في انطلاقة شرارة الثورة من جامعة الخرطوم تتويجاً منطقياً للدور الريادي الذي ظلت تضطلع به اتحادات طلاب الجامعات والمعاهد العليا والمدارس الثانوية في العمل المعارض للحكم العسكري الأول- بالإضافة لدور الأحزاب السياسية والنقابات المهنية.

أخرج قليلاً من السياق لتناول موضوع ذي صلة بالتوثيق لتلك الثورة الخالدة . فقد زارني قبل عشرين عاماً الأخ الصحافي محمد سعيد محمد الحسن ، وعرفني بأنه يرغب في التوثيق لثورة أكتوبر ، وطلب مني إلقاء الضوء ، بأكبر قدر من التفصيل الذي تسمح به الذاكرة ، على المذكرة السياسية التاريخية التي قدمها اتحاد طلاب جامعة الخرطوم واتحاد طلاب المعهد الفني ( جامعة السودان ) للحكومة في الثامن من نوفمبر 1961م مطالبين فيها ، باسم الطلاب وباسم شعب السودان ، برجوع الجيش إلى الثكنات وإعادة الديمقراطية والبرلمان وإطلاق الحريات العامة . أحدثت المذكرة تأثيراً إيجابياً عظيماً على معنويات الشعب ، ومن الناحية الأخرى أصابت هيبة الحكم وقبضته الحديدية في مقتل ، خاصة مع قرب تاريخ الاحتفال بذكرى الانقلاب العسكري في 17 نوفمبر ، إذ أن ما احتوت عليه المذكرة من مطالب ما كان قادة الحكم يتوقعوا أن يجدوه مكتوباً حتى في المنشورات السرية للمعارضة ، ناهيك عن أن يضمن في مذكرة مكتوبة ، وباسم شعب السودان ، وتسلم إلى ممثلي السلطة في رئاسة مجلس الوزراء ! لذا فقد كان تجاوب السلطات معها بإرسالنا نحن أعضاء لجنتي اتحادي طلاب جامعة الخرطوم والمعهد الفني (حاملي المذكرة) إلى سجن كوبر لنقضي فيه عدة أشهر ، لم نخرج منه إلا عندما تمت تصفية جميع المعتقلات إثر الإضراب عن الطعام الذي امتد لعدة أيام ، وانتظم فيه المعتقلون من فصائل المعارضة من طلاب ونقابيين وأحزاب ، وشارك فيه المعتقلون في مختلف سجون السودان ، ومن بينهم زعماء الأحزاب الذين كانوا معتقلين في ناقشوط ؛ وكان الإضراب عن الطعام في حد ذاته عملاً سياسياً كبيراً من أنشطة المعارضة تم تنظيمه بدقة وكفاءة ؛ وظل المواطنون يتابعون أخباره متابعة لصيقة ومتواصلة ، ويعبرون بمختلف الوسائل عن تعاطفهم مع المعتقلين المضربين ومؤازرتهم لهم ، خاصة وأنهم كانوا يخشون من تأثير الإضراب على صحة زعماء المعارضة ممن هم في مرحلة عمرية متقدمة وأحوال صحية هشة. وشاركتهم السلطات أيضاً تلك المخاوف! وذلك حيث أن العواقب السياسية لم تكن لتحمد في حالة حدوث مكروه لأي منهم .

شكرت الأخ محمد سعيد على مبادرته وحرصه على التوثيق لثورة أكتوبر ، وحمدت لهه نهجه السليم المتمثل في الرجوع بالتوثيق لها إلى رصد مختلف أوجه النضال من أجل استعادة الديمقراطية منذ الاعتداء عليها في نوفمبر 1958م ، أو على الأقل تسجيل المعالم الرئيسية لذلك النضال ، والتي تمثل تلك المذكرة التاريخية واحدة من أبرزها . وذكرت له أن ذلك النهج في تقديري تصحيح للفهم القاصر الذي يعتبر أن التوثيق لأكتوبر يبدأ من ليلة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964م . ( حيث جرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ تلك المقابلة ، لا أعرف ما آلت إليه جهود الأخ محمد سعيد محمد الحسن في التوثيق لثورة أكتوبر ؛ آمل أن تكون قد كللت بالنجاح ، وقد عرفت أنه وثق لاتفاقية الميرغني- قرنق) .

آمل أن أتعرض في حلقات قادمة من هذه الأوراق الأكتوبرية لتفاصيل موضوع المذكرة هذا ، وما أعقبه من شهور قضيناها في زنازين البحريات ؛ وللحديث عن اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في تلك الفترة ودوره المبادر في القضايا القومية الذي أكسبه ثقة واحترام جميع فئات الشعب ، وبشكل خاص دوره في تدعيم الوحدة الوطنية بين الشمال والجنوب . كما آمل أن أتعرض أيضاً لبعض الأحداث الهامة المرتبطة بتلك الثورة الخالدة التي مهرها الشهداء بدمائهم الزكية ؛ وبعض المواقف الطريفة أيضاً ( والتي يدور معظمها حول زميلنا في لجنة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم / صديقنا العزيز خوجلي عبد الرحيم أبوبكر (عليه رحمة الله) ، والذي كان يتمتع بروح الفكاهة الراقية Refined sense of humor؛ وهو الذي حزن لمصادرة قلمه ضمن إجراءات الاعتقال في اليوم الأول ، إذ أنه كان ينوي أن يكتب به تاريخ الإنسانية في أثناء فترة السجن الطويل المرتقب ! وظل "تاريخ الإنسانية" موضوعا للدعابة وإثارة الذكريات كلما جمعتنا مناسبات اجتماعات مؤسسات التمويل العربية مع العزيز خوجلي بعد سنوات عديدة من تلك الوقائع والأحداث - رغم أننا حقيقة نثق في أن الخلفية الثقافية العريضة التي يتمتع بها الأخ (أبو الجاز) كانت تؤهله لتنفيذ ذلك المشروع الطموح !).. ونعود إلى السياق .

إن الفهم السليم لثورة أكتوبر ولمبادئها التي ترسبت بعمق في وجدان شعبنا يتم باستيعاب الخلفيات التاريخية لتلك الحقبة الزمنية . ونستطيع أن نوجز أبرز مكونات المناخ الفكري والسياسي العام المصاحب لتلك الفترة سودانياً وإقليمياً وعالمياً في النقاط التالية :

- فجر الاستقلال الوليد آمالاً عريضة وألهب تطلعات مشروعة نحو تحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية طموحة .
- بروز جيل جديد في قيادة العمل الوطني بدأ في حمل الراية بعد جيل مؤتمر الخريجين متميز بالوعي وله الرغبة والمصلحة في إحداث تغييرات إيجابية في حياة المواطنين من خلال تنظيم الجماهير وتزويدها بالثقة .
- تبلور الوعي بوحدة البلاد ، ومعالجة قضية جنوب الوطن حلاً سياسياً .
- نشأة التنظيمات الإقليمية المطالبة بالتنمية المتوازنة .
- بروز الحركة النسوية والدور الإيجابي للمرأة في المجتمع .
- انخراط الفئات الحديثة ( العمال والمزارعين والمهنيين ) في التنظيمات النقابية .
- ازدهار الحركة الثقافية والانفتاح على الفكر العالمي .
- انتشار الوعي السياسي بأهمية استدامة الديمقراطية كنظام للحكم قادر على تحقيق أهداف النهضة المنشودة ( لقد وئدت تجربة الحكم الديمقراطي بعد عامين فقط من الاستقلال ).

وعلى المستويين الإقليمي والعالمي تميزت تلك الفترة ببلوغ حركة التحرر الوطني أوجها وتحقيق استقلال معظم الدول الإفريقية؛ وبروز حركة عدم الانحياز بقياداتها التاريخية ( تيتو - نهرو - جمال عبد الناصر) إثر مؤتمر باندونج؛ وتضامن السودانيين مع ثورة التحرير الجزائرية ، ومع الشعب الفلسطيني ، ومع الشعوب الإفريقية والآسيوية وقادتها الوطنيين من أمثال جومو كنياتا - باتريس لوممبا - نلسون مانديلا - كوامي نكروما - أحمد سيكوتوري - سيمورا ميشيل - هوشي منة - أحمد سوكارنو .

ولكي نسترجع بعضاً من وهج تلك الفترة الزاهية ونستنشق أريجها ونعيش مجدداً في أجواء المجد والبطولة ، ننعش نفوسنا بهذه الكلمات المضيئة والمتفائلة من قصيدة الشاعر المبدع تاج السر الحسن " آسيا وإفريقيا ":

عندما أعزف يا قلبي الأناشيد القديمة

ويطل الفجر في قلبي على أجنح غيمة

سأغنى.. آخر المقطع للأرض الحبيبة

للظلال الزرق في غابات كينيا والملايو

لرفاقي في البلاد الآسيوية

للملايو ولباندونق الفتية..

أو بهذه الأبيات من الفولكلور السوداني النابضة بالتضامن الصادق مع قضايا الشعوب :

( يا جنى الماو ماو بحبك حبي يعلم بيه ربك ! ) و

( الله لي كوريا يا شباب كوريا ) !


***************

أوراق أكتوبرية – 2

اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في الحقبة الأكتوبرية

الدافع للكتابة
وأنا أواصل هذه السلسلة من "الأوراق الأكتوبرية" ، والتي آمل أن أتناول من خلالها أحداثاً وتطورات اجتماعية مصاحبة لثورة أكتوبر مضى عليها ما يقارب نصف القرن ، أود أن أؤكد أن الدافع من وراء الكتابة ليس هو مجرد الرغبة في الاستمتاع الشخصي وإمتاع أبناء جيلي باستعادة ذكريات عذبة عن فترة الشباب الزاهية في سني الستينات من القرن الماضي ( وإن كانت تلك رغبة جديرة بالإشباع، خاصة وأن الفترة التي تغطيها هذه الأوراق الأكتوبرية هي السنوات التي تم التوافق على الإشارة إليها بـ " الزمن الجميل " و " الفترة الذهبية في تاريخ السودان الحديث" ! ).
بل أن دافعي للكتابة عن " أكتوبر" - كما أسلفت - هو إلقاء الضوء على تلك الثورة العظيمة التي لم تكتمل ، باستعادة أجوائها وبعض أحداثها الهامة ، وذلك أساسا لفائدة الأجيال الشابة التي لم تعاصرها ، وفي محاولة لاستخلاص الدروس والعبر من النجاحات والإخفاقات التي صاحبت مسيرتها ؛ وهي دروس - إذا ما أحسن استيعابها- يمكن أن تسهم في تصحيح المسار ، ومن ثم المضي قدماً على طريق إنجاز الطموحات الوطنية .

اتحاد طلاب جامعة الخرطوم
أخصص هذه الحلقة من "الأوراق الأكتوبرية " لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم ، والذي ارتبط اسمه بثورة أكتوبر ارتباطاً قوياً وباقياً ، ليس فقط للدور البارز للاتحاد في العمل السياسي الذي أدى أخيرا إلى إسقاط الحكم العسكري ، بل لأن الاتحاد ظل يمثل ويعبر عن أشواق وطموحات ثوار أكتوبر من الفئات الاجتماعية الحديثة. وبمثل عدم جواز اختزال دور اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في جانب العمل السياسي المعارض الذي اضطلع به ، فلا يجوز كذلك أن تقتصر النظرة لثورة أكتوبر فقط على نجاحها في إسقاط النظام السياسي ؛ وذلك لأن الأجندة الأكتوبرية أكبر وأشمل من ذلك ، إذ أن استعادة الديمقراطية كانت واحدة فقط من تلك الأجندة.

في تلك السنوات الأولى من الاستقلال كان الجميع يرى في جامعة الخرطوم منارة مشعة قادرة على الإسهام العلمي في تحقيق النهضة التي يتطلع إليه شعب السودان . وكان طلاب الجامعة والمعاهد العليا يمثلون الأمل والمستقبل الواعد الذي يرنو إليه أبناء الوطن وينشدونه تحت ظل السودان المستقل . ولقد أمدت هذه الثقة التي وضعها الشعب في طلاب الجامعة حافزاً لأن يجد اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في بلورة الرؤى الجديدة واستيعاب التحديات السياسية والاجتماعية التي أصبحت أكثر بروزاً مع الاستقلال ؛ وأن يحسن استيعاب تأثيرات المناخ العالمي السائد آنذاك ، والذي كان يحفه الصراع العالمي تحت ظل الحرب الباردة ، وتمور فيه حركات التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية .

نتيجة لتلك الثقة ، ومعايشة لحركة المجتمع ، وتجاوباً مع الظروف العالمية المتجددة، تكونت لدي طلاب الجامعة والمعاهد العليا والفئات الحديثة في المجتمع تصورات جديدة لتطور السودان ، مختلفة عن تلك التي كانت لدي الجيل السابق الذي حمل لواء العمل السياسي والاجتماعي حتى الاستقلال .

الدور الفكري والثقافي
كانت النظرة للدور الذي يمكن أن تضطلع به جامعة الخرطوم مستمدة من إمكانية توظيف مناخ الاستنارة وحرية الفكر السائدة فيها من أجل التصدي للقضايا القومية الكبرى ، وتدعيم مقدرات الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى في هذا الجانب . وكانت الأحزاب قد بدأت في تعزيز وتطوير برامجها بما يتواءم مع متطلبات التعمير والتنمية الاجتماعية ، خاصة وأن تلك البرامج كانت متركزة في مهام التحرير وتحقيق الاستقلال ؛ ولقد حققت التنظيمات الفئوية تقدماً مناسباً فيما يتعلق بالتنظيم ووضوح الرؤيا .
لذلك ظلت دار اتحاد طلاب جامعة الخرطوم تشهد حيوية دافقة وهي توظف منابرها لبحث القضايا القومية الكبرى مثل : الوحدة الوطنية - النهضة الثقافية – التنمية الإقليمية المتوازنة - الدستور الدائم ألخ . ومما يجعل من دار الاتحاد مكاناً مناسباً لعقد الحوار حول هذه المسائل الحيوية أنها تتوفر فيها الأجواء الملائمة للبحث الموضوعي بعيداً عن الاستقطاب الحزبي .

كذلك كانت للاتحاد إسهامات عظيمة في الساحة الفكرية والأدبية ؛ حيث كانت الجمعيات المختلفة التابعة للاتحاد المختصة بالآداب والفنون تضطلع بأنشطة متنوعة ( الشعر - النقد الأدبي - القصة - الفن التشكيلي - الموسيقى - المسرح ) . ولقد نجح الاتحاد في توظيف القدرات الخلاقة للأساتذة والعلماء الذين كانت تزخر بهم الجامعة وتحويلها إلى مصدر إثراء للحركة الأدبية السودانية . فلقد كانت كلية الآداب في نهاية عقد الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي تعج بكبار الأدباء العرب منهم الدكتور إحسان عباس ، والدكتور عبد المجيد عابدين ، والدكتور محمد النويهي؛ إلى جانب كبار الأساتذة السودانيين - الدكتور عبد الله الطيب - الدكتور عزالدين الأمين - الدكتور مصطفى عوض الكريم - الدكتور معتصم المجذوب . وهكذا نجح الاتحاد في أن تصبح الجامعة منارة يمتد إشعاعها للمجتمع ، ولا يقتصر عطاء أساتذتها ومشاركات طلابها على قاعات المحاضرات فقط .

استقلال الجامعة وحصانة الحرم الجامعي
نشأ اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في ظل تقاليد راسخة من احترام لاستقلال الجامعة، وإقرار بالحصانة التي ينبغي أن تتوفر للحرم الجامعي . وكانت تلك التقاليد مستمدة من قناعة بأن الحرية الفكرية هي قوام التعليم الجامعي . ونبع من تلك التقاليد الاعتراف بدور اتحاد الطلاب ، ومن ثم النص عليه في نظام الجامعة . فالاتحاد هو المنظم لكافة أوجه النشاط الطلابي والمشرف عليها ، وهو الممثل للطلاب في بحث الموضوعات المتعلقة بحقوقهم مع الإدارة . وللاتحاد ميزانية مخصصة من قبل الجامعة ، وله مكاتب وموظفين – وهنا أتوجه بالتحية والتقدير للأخ العزيز محمد النعيم مهيد الذي عمل أميناً عاماً للاتحاد لسنوات طويلة تميز عمله خلالها بالإخلاص والكفاءة العالية ؛ آملاً أن يتمكن ( ود الشفيع – كما كان يسميه البعض ) من توثيق المسيرة التاريخية الحافلة للاتحاد ، فهو ذاكرته الوقادة .

قيام جامعة الخرطوم وسودنة الإدارة
تأسست جامعة الخرطوم في نفس عام الاستقلال (1956) ، بعد أن تحولت من كلية الخرطوم الجامعية ؛ وتمت سودنة وظيفة مدير الجامعة ، حيث حل الأستاذ المربي نصر الحاج علي – أول مدير وطني للجامعة - محل مستر جرانت ؛ ووظيفة مسجل الجامعة ، حيث حل الأستاذ المربي محمد المرضي جبارة محل مستر ولشر . وكانت تلك تطورات هامة استقبلها الطلاب بالبشر والتفاؤل . من جانبها عبرت الإدارة الجديدة عن حرصها على مد جسور التعاون مع اتحاد الطلاب ، والاعتراف به، وتعزيز الثقة فيه ، والتأكيد على دوره المشارك في وضع تقاليد جديدة للحياة الجامعية ، وإشراكه في إبداء الرأي - ليس فقط في القضايا التي تهم الطلاب وعلاقتهم بإدارة الجامعة - بل في القضايا الوطنية ذات الطبيعة القومية كذلك . كما عبرت الإدارة عن رضائها وفخرها للاحترام الملموس الذي يحظى به الاتحاد من مختلف الفئات والتنظيمات الوطنية. وكان الاتحاد معتزاً بعلاقات التعاون التي تأسست مع إدارة الجامعة ، وحريصاً على أن يعطي ما لقيصر لقيصر - بأن لا يتدخل في النواحي التي هي من صميم اختصاص الإدارة ، كالمسائل الأكاديمية والإدارية . كنا في قيادة الاتحاد نقبل أن تعامل الإدارة الطلاب على أنهم طلاب الجامعة ، ونعاملهم نحن كأعضاء الاتحاد!

التمثيل النسبي
لكي يتمكن الاتحاد من أداء مهامه الكبيرة - التي أشرت إلى جانب منها - بفعالية ابتدعت الفئات السياسية نظام التمثيل النسبي ، وتوافقت ، رغم الصراع القائم بينها ، على أنه أفضل من سيطرة اتجاه سياسي وفكري واحد على الاتحاد وفقاً للنظام القائم على الأغلبية المطلقة . لقد صان التمثيل النسبي الوحدة الطلابية وكفل المشاركة في إدارة أنشطة الاتحاد لمختلف المجموعات الطلابية مهما صغر حجم عضويتها . كذلك نجح التمثيل النسبي في كبح جماح حدة الاختلافات والاحتكاكات العقائدية التي كان من شأنها أن تعصف بالوحدة الطلابية المطلوبة بشكل خاص في ذلك الوقت . كما نجح التمثيل النسبي أيضاً في إرساء تقاليد من التعاون والعمل المشترك والاحترام المتبادل.

من طرائف تلك الفترة أنه نظراً لأن عدد طلاب الجامعة في أوائل الستينات كان يقدر بحوالي ألف طالب ، ووفقا لنظام التمثيل النسبي كان في مقدور أي قائمة يساندها 25 طالباً أن تمثل بمقعد في المجلس الأربعيني للاتحاد . وهذا ما حدث لـ " الجبهة المتحدة " ، وهي تنظيم صغير ، لكنه كان يشارك بحيوية في أنشطة الاتحاد ؛ وكان من أعضائه الأصدقاء بركات محمد مضوي ، ومأمون إبراهيم حسن ، والفاضل نائل، وحسين السمحوني وآخرين . من الطريف أن هذا الاسم الضخم " الجبهة المتحدة " قد جر على هؤلاء الأصدقاء مشكلات نتج عنها حلولهم ضيوفاً على كوبر وبقاءهم فيه شهور عددا ! فقد استنتجت الأجهزة الأمنية آنذاك من الاسم أن تلك هي الجبهة المتحدة العريضة التي تنضوي تحتها مختلف الأحزاب والتنظيمات المعارضة لنظام الحكم ! ولذلك جاء اعتقال قادتها سابقا لاعتقال لجنتي اتحاد الجامعة والمعهد الفني - الذي سبقت الإشارة إليه . ونحن نستعيد هذه الذكريات العزيزة أود أن أتوجه بالتحية لهؤلاء الأصدقاء والشكر لهم على استقبالهم لنا بالحفاوة والترحاب في المدرسة والغربيات والشرقيات التي كانوا فيها سياد بيت ! ومعذرة إن جاء الشكر متأخراً نصف قرن !

العلاقات الخارجية للاتحاد
العلاقات الخارجية التي أسسها اتحاد طلاب جامعة الخرطوم فتحت له آفاقاً رحبة مكنته من الإطلاع على تجارب مفيدة ، ومن التفاعل الإيجابي مع الحركة الطلابية العربية والإفريقية والعالمية، والتعريف على نطاق واسع بالسودان وإرثه الحضاري ورؤاه المستقبلية. وفي ظل مناخ الحرب الباردة السائد آنذاك ، حرص الاتحاد على حياده ؛ ولذلك أقام علاقات مع كلا الإتحادين الطلابيين العالميين IUS & COSEC والمشاركة في فعالياتهما . وقد أكسبت تلك الحيادية KUSU) ) Khartoum University Students Union احتراماً خاصاً . وظل الاتحاد يتلقى عددا معتبرا من المنح الدراسية الخارجية كل عام من كلا الإتحادين ، كان يوظفها بشكل رئيسي لصالح الطلاب المفصولين لأسباب تتعلق بنشاطهم الطلابي من الجامعة أو المعاهد العليا الأخرى .
كان اختيار من يمثل الاتحاد في أي من الفعاليات الخارجية من بين أعضاء الاتحاد يتم وفق معايير موضوعية ، وبتناوب بين المجموعات الطلابية الممثلة في اللجنة التنفيذية ؛ وكان الجميع يحترم تلك المعايير وذلك التناوب . أنني أعتز بأن أتاحت لي تلك المشاركات الخارجية في المرات التي تشرفت فيها بتمثيل KUSU) ) فرص لقاءات وحضور مناسبات تاريخية ، مثل اللقاء بالجزائر مع الرئيس أحمد بن بيلا في العام الأول لانتصار الثورة وتحقيق الاستقلال (1963) ؛ وتحية المناضلة جميلة بوحيرد التي ( لم تبلغ سن العشرين واختارت جيش التحرير) ؛ والمشاركة في مؤتمر الاتحاد العام لطلاب نيجيريا في إبادان ؛ وحضور جلسة في البرلمان الغاني في عهد الرئيس أوساجيفو كوامي نكروما ؛ ومصادفة زيارة موسكو في نفس يوم انطلاقة فالنتينا تريشكوفا للفضاء الخارجي !

الوحدة الوطنية
كان الاتحاد يرى أن الجامعة - بما تزخر به من وعي واستنارة يمكن أن توفر أجواء صحية تزدهر فيها العلاقات الطيبة المؤسسة على الإخاء والاحترام المتبادل بين أبناء الوطن من مختلف المناطق . وحيث أن طلاب اليوم هم قادة المستقبل ، فأن زرع الثقة وعلائق الإخاء فيما بينهم في سنوات الدراسة الجامعية سوف يأتي أكله مستقبلاً وينعكس إيجاباً على وحدة الوطن . في نفس الوقت كنا مدركين لأن الظروف السلبية السائدة ، والحساسيات القائمة ، وعدم الثقة المتولد عن الحرب الأهلية التي استعرت في جنوب الوطن قبل سنوات ( آنذاك ) أي منذ عام 1955م ، كلها عوامل تعيق النوايا الحسنة والجهود الخيرة التي يمكن أن يقودها الاتحاد لتأسيس العلاقات الطبيعية بين أبناء الوطن . وللأسف حصدت الحرب الأهلية في تلك الفترة بابيتي الطالب بكلية البيطرة، وزميلنا في المجلس الأربعيني للاتحاد ، والذي كان يتمتع بقدر كبير من الحيوية والوعي والإيمان بوحدة السودان ؛ وتأثرت المساعي الخيرة مفسحة المجال لأجواء التوتر واهتزاز الثقة .

وهكذا ظلت موضوعات الوحدة الوطنية وسيادة روح وثقافة السلام والمعالجة السياسية السلمية لقضية جنوب الوطن على رأس أولويات الاتحاد . وسيراً على هذا النهج كانت ندوة الحادي والعشرين من أكتوبر ، وكان انعقاد مؤتمر المائدة المستديرة في الفترة اللاحقة .

******************

أوراق أكتوبرية - 3

مواصلة لهذه " الأوراق الأكتوبرية " أود أن أشير إلى بعض الأحداث التي شكلت معالم هامة في سجل المعارضة للحكم العسكري الأول ، ومن ثم في التهيئة لثورة أكتوبر. وهي أحداث جديرة بالتوثيق الكامل بأكثر من هذا السرد الذي أكتبه من الذاكرة عن فترة مضى عليها ما يقارب نصف القرن ؛ والذي آمل - رغم ذلك - أن يكون مفيداً في نقل الأجواء التي سادت في تلك الفترة ، وأن يمكن من تعلم بعض الدروس من تجارب الشعب السوداني في الدفاع عن حقوقه وحريته .

إن الاقتناع بنهج الديمقراطية وسيادة الحريات ، والاستعداد للذود عنها ، هو أبرز ما جمع بين الفئات الاجتماعية المختلفة التي نجحت أخيراً في تفجير ثورة أكتوبر. فلقد ارتبط الاستقلال في أذهان الكثيرين بالنظام الديمقراطي والحريات، ولم يكن مقبولاً أن تنتهي كل الآمال المعقودة على الاستقلال في تلك الفترة المبكرة بانقلاب عسكري بعد سنتين فقط من نيل الاستقلال .

للكاتبة روث فيرست كتاب " فوهة بندقية " Barrel of a Gun (صدر في عام 1970م) ، تناولت فيه ظاهرة الانقلابات العسكرية في إفريقيا (ومن بينها انقلابات السودان حتى ذلك الوقت) ، ودور الجيش في الدول النامية ، هل هو أداة للتحديث أم رصيد للمحافظة (conservatism) . ومن ضمن ما ورد في الكتاب لفت الكاتبة الانتباه إلى قصر فترة الديمقراطية في البلدان المستقلة حديثاً، والتذكير بأن الحكم أثناء فترة الاستعمار هو أساساً حكم عسكري . وهذا يعزز ما رميت إليه من أن الاستقلال يعني لجماهير الشعب الحرية والديمقراطية ؛ إذ أن الجماهير لا ترغب في الانتقال من حكم عسكري ظل سائداً في فترة الاستعمار إلى حكم عسكري في عهد الاستقلال كذلك.

غير أن قانون الفترة الانتقالية ، والمعروف بقانون الحكم الذاتي لسنة 1953م ، (The Self Government Statute) كان مثالياً من حيث كفالته للحريات (حرية التعبير - حرية التنظيم - حرية الصحافة)، وحقوق المواطنين، واستقلال القضاء ، وسيادة حكم القانون ؛ وقد تم تبنيه دستوراً للسودان بعد الاستقلال ، مع إدخال التعديلات الضرورية المتعلقة بالسيادة ؛ وعرف بدستور السودان المؤقت لسنة 1956م . كان الدستور بتلك السمات الإيجابية مظلة ملائمة لكي تزدهر تحتها تجربة السودان المستقل وديمقراطيته الوليدة ، وتنضج بوهج مبادئه تجارب قواه الحديثة الحية ( والتي وجدت نفسها بعد سنوات قليلة مقهورة تعاني من الإبعاد والعزل الكامل من دائرة المشاركة ، بل أصبحت رهن السجن والاعتقال التحفظي ).

هناك من يزعم أن الطلاب ، والأكتوبريين عموماً ، يتغافلون عن الإصلاحات التي قام بها النظام العسكري ولا يثمنونها، وأنهم يعارضون من أجل المعارضة حتى ولو جاءت (ثورة) نوفمبر مبرأة من كل عيب! وقد بلغ ضيق السلطات باستقلال الجامعة وبالمعارضة الطلابية درجة أن طالبت صحف الحكومة بإخضاع الطلاب لعملية Regimentation وإعادة صياغة من خلال نظام معسكرات تقام لتلك الأغراض ! .

صحيح أن نظام نوفمبر قد خطا بعض خطوات على طريق تأسيس البنيات التحتية ، بإقامة خزان الروصيرص ، وخزان خشم القربة ، والخطوط البحرية ؛ كما أنه وبهدف التوزيع الجغرافي للتنمية - كما يبدو - ( شمال وجنوب وشرق وغرب) أقام مصنعا للفواكه بكريمة وآخر بواو ، ومصنعاً للألبان ببابنوسة ، ومصنعاً للبصل بكسلا ؛ غير أن تلك المصانع لم تتم في إطار التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة الشاملة التي تتطلع لها الأقاليم ، كما لم تتم بمشاركة المواطنين . فمع النوايا الحسنة من وراء مثل تلك المشروعات ، إلا أن فشلها اللاحق ، والصعوبات العديدة التي صاحبتها ( بل أن بعضها لم يقم أصلاً ، وبقيت أفيالاً بيضاء White elephants) قد أدى إلى تذمر المناطق التي استهدفتها تلك المشروعات ، بدلاً من رضائها. كان المواطنون يتطلعون إلى سيادة فهم للتنمية المتوازنة أكثر عمقا واستيعاباً لمشكلات الريف السوداني ، وللجذور الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية لعدم التوازن .

كيف لمن يطالبوننا بالتثمين الإيجابي للإصلاحات والـ (إنجازات) ، وبمساندة تجربة (المستبد العادل! Benevolent Despot) ، ويدافعون عن الضبط والربط الضروري لزيادة القدرة والفعالية والإنجاز! ومن يركزون على الأبوية التي يتمتع بها الرئيس! كيف لهم أن يغفلوا حق الوطن في الديمقراطية المستدامة ، ويشككوا في مقدرة القوى الوطنية على تصحيح الانحراف الناتج عن عدم نضوج تجربة الأحزاب، وعلى معالجة الخلافات التي قد تنشب في الساحة السياسية (المبرر الكلاسيكي للانقلابات) .

كيف يريدون لوطن وهو لا يزال يخطو خطواته الأولى في رسم مستقبله بأفق جديد، ويسعى لإرضاء تطلعات أبنائه وقواه الوطنية الحديثة الحية ، أن يثق في أن (مستبديه العادلين) سوف يضطلعون بما يلزم نحو تحقيق تلك الغايات ، التي لم يكونوا يملكون لها الرؤية المستقبلية الثاقبة ولا الأفق التنموي والفكري والاجتماعي لضروري.
ثم كيف لنا أن نثق حتى في استدامة ذلك (الاستبداد العادل) بما يجعلنا نعهد (لمستبدينا العادلين) بالتصرف في شئون الوطن دون مشاركة من أحد، خاصة مع السجل الحافل بالحركات العسكرية والانقلابية المتعددة منذ وصول نظام نوفمبر للحكم ، والتي فاقت حدتها مستوى الصراع ، إذ بلغت درجة الاشتباك بالسلاح بين رفاق السلاح في الجيش الواحد ، الشيء أثر على قومية القوات المسلحة.

نضيف إلى ذلك أن النهج المتبع في علاج قضية الجنوب - كبرى قضايانا الوطنية - قد فشل تماماً ، بل أصبح ذلك النهج يعمق من الإحن والجراح الغائرة في النفوس ، ويهدد كيان الوطن الواحد ... وفي ظل مصادرة الحريات لم يكن متاحاً لفئات المجتمع الفاعلة المشاركة في بحث مثل تلك الموضوعات القومية ذات الأهمية العظمى ، والخروج بحلول بديلة بشأنها ، بل كان ذلك من المحرمات ( Taboos) .

كما كان الانتهاك لحقوق الإنسان وكرامة المواطنين ، من أكبر خطايا (المستبد العادل) الذي يريدون أن نأتمنه على كامل الوطن .

أرجو أن أنتقل إلى التناول الموجز لبعض الأحداث البارزة التي أججت من روح الثورة لدي المواطنين ، خاصة تلك التي شارك فيها اتحاد طلاب جامعة الخرطوم ، أو أتيح لشخصي الضعيف معاصرتها .

من بين أهم الأحداث التي حركت غضباً جماهيرياً واسعا ، الحكم بالإعدام على قادة حركة التاسع من نوفمبر 1959م . أذكر أنه في صباح اليوم السابق للتاريخ المحدد للتنفيذ شرع اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في إجراء اتصالات واسعة ونشطة مع كل القادة والزعماء الدينيين والصحفيين والشخصيات الوطنية من ذوي الوزن ، والذين يحظون بالاحترام، لكي يوظفوا كل ما لديهم من نفوذ أو تأثير للضغط على الرئيس والمجلس الأعلى للقوات المسلحة لإيقاف تنفيذ أحكام الإعدام . وظلت دار الاتحاد طوال اليوم تمور بالغضب؛ كما أذكر أن انتشرت في دار الاتحاد في تلك الليلة قصيدة بعنوان "رسالة شهيد في ليلة التنفيذ" ، وهي قصيدة طويلة ومؤثرة مطلعها :

أبتـاه مـاذا قد يخط بنـــــاني و الحبل و الجـلاد ينتظــران
هذا الكتاب إليك من زنزانــة مقرورة صخريــــة الجدران
الليــل من حولي هـدوء قاتل والذكريات تمور في وجداني
والنفس بين جوانحي شفافة دب الخشوع بها فهز كيـاني
دمع السجين هناك في أغلاله ودم الشهيد هنا سيلتقيــــان

تم توزيع مكثف لتلك القصيدة في تلك الأمسية التي ساد فيها الغضب والقلق والتوتر؛ وزعم موزعوها أن كاتبها هو النقيب الصادق محمد الحسن ( لم يكن ذلك صحيحاً فهي لشاعر مصري شاب اسمه هاشم الرفاعي ) ؛ غير أن أجواء ليلة التنفيذ وتوافقها مع عنوان القصيدة ، أعطت مصداقية لتلك الرواية التي خدمت هدف التعبئة وإضرام الغضب). وواصل الطلاب البقاء في دار الاتحاد حتى الفجر على أمل أن يسمعوا عن نجاح المساعي الحميدة التي شرع فيها الاتحاد من أجل تخفيف حكم الإعدام . غير أنه للأسف تم تنفيذ الإعدام شنقاً في فجر اليوم التالي 20 ديسمبر 1959م على كل من المقدم علي حامد، المقدم يعقوب كبيدة، الرائد عبد البديع علي كرار، النقيب طيار الصادق محمد الحسن، والنقيب عبد الحميد عبد الماجد .. وفتح بذلك طريق الدماء ..

ومن الأحداث التي تفاقمت وأضافت إلى الاحتقان السياسي في تلك السنوات، وضاعفت من تراكمات الغضب أيضاً ، حادثة إطلاق الرصاص على شباب الأنصار بميدان المولد بأمدرمان في يونيو 1961م . وأذكر أن رد فعل السيد الصديق المهدي إمام الأنصار في لقاء لجنة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم معه ، كان متسماً بضبط النفس ، إذ رأى عدم التجاوب مع ذلك الاستفزاز بالأسلوب الذي ربما يقود إلى فتنة كبرى ينتج عنها سفك مزيد من الدماء.

كذلك كان لقضية تعذيب المواطن مصطفى حسنين بالأبيض (والتي سبقت الإشارة إليها وإلى رواية مولانا أبيل ألير حولها) تفاعلاتها السياسية والاجتماعية الكبيرة ؛ إذ وجدت تلك القضية اهتماماً كبيراً من قبل جميع الأحزاب والاتحادات والتنظيمات الفئوية ، وأثارت سخطاً واستياء وحنقاً عظيماً . لم يتمكن نظام الحكم من تبرير بشاعة التعذيب الذي جرى ، ناهيك عن الدفاع عنه . وقد نشط اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في تنظيم وتنسيق خطوات الاحتجاج على مثل ذلك الانتهاك للكرامة السودانية ، كما تمت تعبئة الرأي العام الطلابي العريض، وجرى تناول الموضوع بشكل مكثف من خلال الصحف الجدارية بالجامعة . وقد اهتمت جبهة الأحزاب اهتماماً كبيراً ورفعت مذكرة احتجاج شديدة اللهجة ، بل وطالبت النظام بالتنحي وتسليم السلطة ؛ وعلى إثر ذلك تم اعتقال قادة الأحزاب وإرسالهم إلى ناقشوط .
ومن أكثر ما أضاف إلى تراكمات الغضب الذي تفجر أخيراً في ثورة أكتوبر ، مقاومة النوبيين وتصديهم للحكومة العسكرية بأساليب مختلفة دفاعاً عن حقهم في اختيار الوطن البديل ، وفي التعويضات العادلة .. وتلك أحداث نتركها لحلقة قادمة من هذه الأوراق الأكتوبرية خاصة وأنه قد شاءت لي الظروف أن أكون في قلبها!.
أوراق أكتوبرية -4

كنت قد أشرت في نهاية الحلقة السابقة – والتي استعرضت فيها جانباً من الأحداث التي أضافت إلى تراكمات الغضب الشعبي ، وإلى الاحتقان السياسي الذي تفجر أخيراً في أكتوبر الأغر- بأن هذه الحلقة ستكون مخصصة لأبرز تلك الأحداث ، ألا وهي ، مقاومة أهالي حلفا للتهجير إلى خشم القربة ، ومطالبتهم بحق اختيار الموقع الذي يهجرون إليه ، وحقهم في التعويضات العادلة .
وأرجو المعذرة إن ورد حديث عن شخصي الضعيف في هذه الحلقة ، وهو ما حرصت بقدر المستطاع على تفاديه وأنا أكتب هذه "الأوراق" لمصلحة الأجيال الحديثة. لكن شاءت لي الأقدار أن أكون في قلب هذه الأحداث تضامناً مع أهالي حلفا. ولقد عرفت منذ عهد الدراسة بمدرسة خورطقت الثانوية بأنني نوبي الهوى ، ولي علاقات نوبية ممتدة وصداقات حميمة مع الكثيرين من النوبيين (فاروق كدودة - زكي عبد الرحمن - عبد الفتاح صيام - عبد المجيد علي حسن - عبد الوهاب صالح - الصاوي بتيك - محمد عثمان فرح - وآخرين كثر) ؛ وترسخت تلك العلاقات أكثر في جامعة الخرطوم وفي عملي بوزارة التجارة الذي جمعني بالمنارة النوبية المضيئة .. محي الدين شورة ، والذي أصبح الوكيل الأول للوزارة . ومن أعز أصدقائي النوبيين عابدين عبد الهادي (عليه رحمة الله) مدير شركة النظارات والساعات الأهلية ، وهو قريب عاقل عطا المنان زميلي بالاقتصاد الوطني . غير أن أكثر ما عمق علاقاتي مع النوبيين هو قضائي أياماً بلياليها مع القيادات النوبية البارزة ( محمد توفيق - صالح محمود إسماعيل - محمد عثمان وردي – محمود إبراهيم أحمد - والعم عبده دهب ، والذي هو دنيا بأكملها! ! ) في حراسات المديرية، والقسم الجنوبي بالخرطوم ، وسجن أم درمان، بعد اعتقالي معهم في مظاهرة أهالي حلفا الشهيرة في 25 أكتوبر 1960م ، والتي سيأتي ذكر تفاصيلها في هذه الحلقة .

لقد كانت قضية التهجير قضية ذات أبعاد مصيرية ونفسية حادة بالنسبة لأهالي حلفا ، بل كانت زلزالاً هز وجدانهم ؛ إذ رأوا فيها عاصفة تهدد ، ليس فقط تاريخهم وموروثاتهم الحضارية ، بل تهدد أيضاً مستقبلهم وبقاءهم وذاتيتهم . فمنذ توقيع اتفاقية مياه النيل بين السودان ومصر ، والتي أكدت بنودها على قبول السودان بناء السد العالي ( وموافقة مصر على بناء خزاني الروصيرص وخشم القربة ) ، تبين أن مياه البحيرة التي ستنشأ سوف تغمر 150 كيلومتراً داخل الأراضي السودانية ، وأن المياه سوف تبتلع مدينة وادي حلفا وسبعة وعشرين قرية بكامل أراضيها الزراعية ونخيلها وآثارها التاريخية ؛ وسيصبح قرابة 40 ألف شخص دون مأوى ويجب تهجيرهم وإيواؤهم .

كان على النوبيين إذاً تقديم تضحيات كبيرة .. وكان الأمر يحتاج إلى جهد عظيم لإقناع أهالي المنطقة بفكرة الانتقال .

زار الفريق إبراهيم عبود المنطقة وسط أجواء مشحونة بالقلق والاستياء ، وحدث أهلها انه جاء ليقف بجانبهم في تلك اللحظات الحرجة .. وكان متأثراً لدرجة أن سمع صوته يتهدج وشوهدت دموعه تتساقط . وعدهم بالعمل على توفير حياة معيشية جيدة لهم ، وتعويضهم تعويضاً مجزياً وكاملا .. وما هو أهم ، وعدهم بقبول اختيارهم لمسكنهم الجديد في أي بقعة من السودان ، ذاكراً لهم أنهم سوف لن يجبروا على أي شيء خلاف ما يرغبون .

لا أرمي من خلال هذه "الأوراق الأكتوبرية" إلى توثيق مختلف جوانب هجرة النوبيين ( حيث أن تلك مهمة اضطلع بها بكفاءة فائقة الإداري الفذ السيد / حسن دفع الله - المسئول عن التهجير- في سفره الرائع The Nubian Exodus- هجرة النوبيين - وقد استعنت به كمرجع في كتابة هذه الحلقة ) . بل ما رميت إليه هو وصف الحالة النفسية لأهالي حلفا ومقاومتهم، خاصة وأنه لم يتم الوفاء لهم بالوعد بإعطائهم حق اختيار الموطن الجديد، وكذلك الإشارة إلى التعاطف والمساندة التي وجدوها من فئات المجتمع المختلفة، ومن بينها طلاب جامعة الخرطوم؛ ثم وصف مقاومة التهجير إلى خشم القربة بكامل حدتها وعنفوانها ، وتحولها إلى قضية سياسية كبرى .

كان موقع خشم القربة واحداً من عدة خيارات أعطيت لأهالي حلفا، وطلب منهم اختيار ما يناسبهم منها ، وذلك من خلال التصويت الذي اشتركت فيه اللجان الأهلية الممثل فيها جميع القرى في المنطقة المتأثرة . ووقع الاختيار الأول على جنوب الخرطوم ، والثاني منطقة الكدرو ، والثالث وادي الكاوي (دنقلا) ؛ ثم خشم القربة في المرتبة الرابعة . غير أن الحكومة رأت أن خشم القربة هي الموقع الأنسب ، وذلك بناء على نصائح متخصصة محلية وعالمية . وقد أثار ذلك حفيظة أهالي حلفا ، وتساءلوا لماذا إذاً كان أخذ رأيهم وإعطائهم حق الاختيار طالما أن الموقع الذي سيهجرون إليه معد سلفاً ؟

قررت الحكومة إرسال وفد وزاري لإبلاغ المواطنين بالقرار، رغم أن السيد/ حسن دفع الله حاول أن يثني الحكومة عن إتمام تلك الزيارة في ذلك الجو المشحون بالغضب، واصفاً إياها بعرض القماش الأحمر على ثور في حلبة الصراع ! غير أن الزيارة تمت وحضر إلى حلفا وفد مكون من اللواء البحاري (وزير الداخلية) ، واللواء المقبول الأمين (وزير الزراعة) ، واللواء طلعت فريد ( وزير الاستعلامات والعمل ) ، والدكتور/ محمد احمد علي (وزير الصحة) . قاطع أهالي حلفا الزيارة ، ولم يكتفوا بالمقاطعة ، إذ سرعان ما تحولت المقاطعة السلبية إلى ثورة عارمة ، حيث تجمهر حوالي ثلاثة ألف رجل على الطريق الرئيسي بالقرب من مسجد دغيم ، يحمل بعضهم عصي ثقيلة ، وآخرون يحملون حجارة كبيرة يضعونها على الطريق ، وتسلق آخرون أعمدة الهاتف وقطعوا الخط التلفوني الرئيسي للخرطوم . وردد المتظاهرون هتافات : " أين وعودك يا عبود ؟" .. " أين دموعك يا عبود !؟ " ..ثم تحولت إلى هتافات سياسية مباشرة : " فقدت ثقتنا يا عبود " .. " إلى الثكنات يا عساكر " . وخلال وقت وجيز انضم أهالي أرقين وأشكيت ودبروسة للمتظاهرين ؛ وقد وصف السيد/ حسن دفع الله تلك المظاهرة " رأيت سعاد إبراهيم احمد تتقدم مجموعة من النساء يرتدين الزي التقليدي قادمات من ناحية دغيم وأخذن مكانتهن خلف المتظاهرين ، وبدأن في نثر الغبار بأيديهن مسببين سحباً كثيفة ويصرخن بأصوات حادة بلهجتهن – فديروا والا هجو موتو خشم القربة لا – أي نفضل الموت دون الذهاب لخشم القربة"

" الحقيقة المذهلة في هذه التظاهرة هي أنه لأول مرة سمعت فيها الأصوات تنادي ضد الهجرة (كانت سابقاً ضد خشم القربة) ؛ وكذلك كانت أول تظاهرة تخرج معادية لنظام الرئيس عبود العسكري ". من المفارقات التاريخية الجديرة بالتسجيل في هذه "الأوراق الأكتوبرية" أن هذه الأحداث جرت في حلفا في يوم 21 أكتوبر 1960م ! وتواصلت في اليوم التالي أيضاً .

وفي يوم 25 أكتوبر انتقلت الأحداث إلى الخرطوم ، حيث تجمع في شارع القصر كل المجتمع النوبي بالخرطوم رجالاً ونساء وأطفالاً في أزهى حلل ، وكأنهم مقدمون للمشاركة في حفل عرس ، والنساء بالزي الحلفاوي التقليدي (الجرجار) ، والكل في درجة عالية من الانتظام ، وكأنهم رأوا أن يقدموا للمجتمع السوداني وللعالم نموذجاً في التحضر .. كان يوماً تاريخياً ومؤثراً للغاية . غير أنهم كانوا مزودين بنفس مشاعر أهلهم في حلفا ، ومدركين لكل أحداث الأيام الماضية . لم يكن أحد يأبه لما قد يحدث ، حيث كل شيء يهون من أجل حلفا . كان هذا الجمع النوبي مهيباً لدرجة أن مواطني الخرطوم من غير النوبيين فضلوا أن لا يفسدوا على أهالي حلفا هذا البهاء ، الذي لا تزال صورته مطبوعة في ذاكرتي بكل تفاصيلها الملونة .

في نفس هذا الوقت كان طلاب جامعة الخرطوم منتظمون في موكب عظيم شق شارع الجمهورية حتى التحم مع موكب أهالي حلفا المهيب بشارع القصر. لم يكن موكب الطلاب بنفس درجة الانتظام والانضباط . وكان التجمع الجماهيري بهذه الضخامة مناسبة ظل الكثيرون يتوقون لها . وكما ذكر سابقاً بالنسبة للتظاهرة التي جرت في حلفا ، فقد كانت هذه التظاهرة في الخرطوم هي أيضاً الأولى ضد نظام نوفمبر العسكري ، مما حدا بالمتظاهرين أن يجعلوا منها مناسبة تحفز الشعب على أخذ حقوقه .. إذ أن الدنيا تؤخذ غلابا ! في الحقيقة موضوع المشاركة في تظاهرة أهالي حلفا كان مثار بحث في أوساط الطلاب في الجامعة ؛ وكانت حوله وجهات نظر متباينة ؛ فالجميع متفقون على التضامن والمؤازرة مع أهالي حلفا ، غير أن البعض يرى أن هذا هو يوم أهالي حلفا المخصص لقضيتهم ، ويجب أن لا ننقص من رونق إعدادهم وتنظيمهم له ، ومن الأفيد أن يكون له التأثير الكامل Full impact دون تشويش . من الناحية الأخرى كان البعض الآخر يرى أنه من غير المناسب اجتماعيا وسياسيا أن يترك أهالي حلفا يقاومون ويصارعون لوحدهم وهم في هذه اللحظات المؤثرة في تاريخهم دون سند من أحد ؛ ورأوا في السلبية حياد عن تقاليد طلاب جامعة الخرطوم . كما دافع آخرون عن ضرورة تحويل هذا التحرك الجماهيري لصالح قضية الشعب الأساسية التي ظل يناضل من أجلها لسنوات ، وليس ما أصاب أهالي حلفا إلا جزء من تلك القضية الأساسية ؛ وعضد مؤيدو هذا الرأي أن هتافات مواطني حلفا أنفسهم في الأيام الثلاثة الماضية لم تقتصر على معارضة التهجير لخشم القربة ، بل تحولت إلى هتافات سياسية . ومهما كان من تباين الآراء فقد كان اندماج الطلاب مع أهالي حلفا كاملاً ومؤثراً وناجحا سياسياً ، وطافت التظاهرة الهادرة بمختلف شوارع وسط الخرطوم مرددة الهتافات المتعلقة بقضية التهجير ، والتي طغت عليها الهتافات السياسية . وقد استخدمت الشرطة الهراوات والغاز المسيل للدموع بكثافة ، وتم اعتقال العديد من رموز المجتمع النوبي وقياداته ، والذين كانوا مهيأين تماما لذلك ، بل إلى ما هو أكثر.

كما تم اعتقال بعض الطلاب ، وكنت من بينهم ( استعاد هذه الذكريات الأخ الأستاذ / محمد وردي عند تقديمي له في النادي السوداني بمسقط في العام الماضي ذاكراً أنني كنت العربي الوحيد ! المعتقل وسط الجمع الغفير من النوبيين الذين ضاقت بهم حراسة المديرية ، ولذلك تم تحويلهم في اليوم التالي إلى سجن أمدرمان ، ثم إلى القسم الجنوبي بالخرطوم. في الحقيقة لم أكن العربي الوحيد إذ كان هناك الأخ المقدام/ عبد الله محمد عبد الرحمن المعروف بـ الـ invisible – عليه رحمة الله – وهو أحد شهداء أكتوبر- رغم وفاته بعدها بسنوات- لأن الرصاصات التي أصابته في أكتوبر بقيت داخل رئتيه . من الطرائف والتي اعترف لي بها الأخ وردي والأخ عابدين عبد الهادي لاحقاً ، أن وجودي وسط ذلك الجمع النوبي كان مثار تعليقات بالرطانة ، بل تشكك وتساؤلات تطوع البعض بتقديم التفسير لها بـ "أنه لا بد أن يكون غواصة !!" حرام عليكم !! تولى الأخ وردي الشرح وإزالة الشكوك ، وكنت قد تعرفت عليه قبل ذلك بثلاث سنوات مع أصدقائي النوبيين عندما زارنا في خورطقت عام 1957م ، وقضى معنا أسبوعين أمتعنا فيهما بأغنياته الأولى " يا سمارة الليلة يا سمرة" وأغنيات أخرى باللهجة النوبية .. التمنيات للأخ الأستاذ/ وردي بموفور الصحة ) .. نعود إلى السياق .

من ذكريات تلك الأيام أنه في حوالي الساعة التاسعة من صبيحة اليوم التالي للتظاهرة طلب من السيد/ محمد توفيق - وهو مع بقية المعتقلين في حوش حراسة المديرية- مقابلة الضابط . حسبنا أنه ربما تكون تلك المقابلة بسبب اتخاذ قرار بتحويله لمعاملة خاصة نظراً لدرجته الوظيفية الرفيعة في الحكومة ؛ غير أنه عاد إلى ذات الحراسة حاملاً خطاب إحالته للتقاعد بموجب المادة 32 ب اللعينة!!

ومن الشخصيات النوبية التي سعدت بمعاصرتها في تلك الأيام العم عبده دهب ،الذي يحملك حديثه إلى أغوار تاريخ اليسار في مصر والسودان ، وهو حديث مشوق لا يخلو في كثير من الأحيان من بعض القصص المثيرة ! ، مثل حديثه عن مقابلاته مع الرفاق تولياتي وموريس توريس ؛ وعن كيف خططوا مع التقدميين المصريين تفجير السفينة نوتردام عند عبورها قناة السويس، تضامناً مع الثوار في إحدى جزر أندونيسيا في حرب التحرير ضد الاستعمار الهولندي . ولتمرسه في فنون الدفع بعدم التواجد في مكان الحدث (alibi) التي أتقنها في مسيرته النضالية العامرة ، لم يدافع دفاعاً سياسياً في المحكمة مثل بقية أهالي حلفا ، بل صارع ممثل الاتهام حتى صرعه!! .
بعد هذه الحلقات عن الفترة السابقة لأكتوبر ، آمل أن أنتقل لتناول الفترة الأكتوبرية بعد الحادي والعشرين من أكتوبر عام
1964م .
أوراق أكتوبرية - 5

كنت قد أشرت في ختام الحلقة الرابعة بأنني سأنتقل من الخلفيات إلى صميم الفترة الأكتوبرية . غير أنني أحيد عن ذلك النهج بتخصيص هذه الحلقة لنشر وثيقة نادرة ، متمثلة في نص المذكرة التي قدمها اتحاد طلاب جامعة الخرطوم واتحاد طلاب المعهد الفني للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في الثامن من نوفمبر 1961م ؛ والتي وردت الإشارة إليها في الحلقة الأولى .

ما يدفعني لذلك أن المذكرة ذات صلة وثيقة بالموضوعات الجوهرية التي تتناولها هذه الأوراق الأكتوبرية ، والتي ظللت أكتبها من الذاكرة . . وحيث أنني تمكنت أثناء وجودي بالسودان في عطلة عيد الأضحى من الحصول على نص المذكرة من صديق عزيز ، وزميل في لجنة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم التي كانت قد حملت المذكرة - ومعها لجنة اتحاد طلاب المعهد الفني - وقامت بتسليمها إلى ممثل الحكومة في رئاسة مجلس الوزراء .

كذلك تنبع أهمية نشر هذه الوثيقة من كونها - حسب علمي ومتابعتي - لم تنشر من قبل في أي مطبوعة ، مما يزيد من قيمتها كإضافة أصلية إلى تاريخ تلك الفترة.. وكنت قد أشرت سابقاً إلى أن التوثيق لثورة أكتوبر لا يبدأ فقط من ليلة الحادي والعشرين من أكتوبر .

الشكر أجزله إلى الصديق العزيز عمر يوسف بريدو على إحساسه بالتاريخ ، وحرصه ومحافظته على هذه الوثيقة الهامة طيلة هذه العقود الخمسة ، ولا أقول نصف القرن (حفاظاً على الشباب !) فإلى نص الوثيقة التاريخية :

" أصحاب المعالي / رئيس وأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة
بعد التحية والاحترام

لما كنا نؤمن أننا بصفة خاصة مدينون لهذا الشعب الكريم الذي بذل لنا من ماله وجهده ما مكننا من اكتساب المعرفة والثقافة ، ولما كنا نرى أننا اليوم بحكم ذاتيتنا كنا وما زلنا في وضع يمكننا من أن نعبر عن رأي أمتنا تعبيراً قومياً صادقاً ، ولما كانت الأمة قد عرفت كل ذلك عنا منذ عهد الاستعمار وإبان الحكم الوطني ، ولما كنا نرى أننا اليوم امتداد طبيعي لذلك التاريخ المجيد ، وأننا ملتزمون أدبياً ووطنياً أن نحمل الأمانة التي خلفها لنا أسلافنا وفرضتها علينا ذاتيتنا كشباب مثقف تعلق عليه الأمة كثيراً من آمالها ؛ فنحن الممثلون الرسميون لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم واتحاد طلاب المعهد الفني وغيرهم ، نتقدم لمجلسكم بهذه المذكرة التي تحمل بعض آراء ومقترحات جماهير الطلاب السودانيين .

وقبل عامين في 10 سبتمبر 1959م على وجه التحديد رفع اتحادنا لحكومتكم مذكرة وطنية تطالب بعودة الحياة الديمقراطية ، ذلكم لأن النظام الراهن قد برهن وبصورة أكيدة عدم ملاءمته لظروف شعبنا .. وقد مضت ثلاثة أعوام على قيام الثورة التي أعلنتم فيها أنكم استلمتم مقاليد الحكم لإصلاح ما فسد في الجهاز الاقتصادي والإداري . وبعد مضي كل هذه الفترة فأننا نرى أنكم لم توفقوا في إصلاح الفساد في الأجهزة المختلفة . ثم أننا نرى أن زج الجيش في المسائل السياسية وتولي أمور الحكم بصفة دائمة وتركه لمهمته الأساسية ، الأمر الذي أودى بوحدة الصف داخل الجيش . وقد قامت خلال هذه الفترة ثلاث محاولات من داخل الجيش لقلب نظام الحكم . ولم يسكت شعبنا إطلاقاً على هذه الأوضاع ؛ فقد هب الشعب في كل اتجاه لإبداء وجهة نظره في الحكم . فقد قدم الطلاب والعمال والمزارعون والجبهة الوطنية عرائض ومذكرات عديدة ، وخاض الشعب بأسره معارك مختلفة لإنهاء هذا النظام واستبداله بنظام ديمقراطي تكون فيه السيادة للشعب .

وإن مصادرة الحريات وحرمان المواطنين من التعبير عن آرائهم في المسائل الوطنية واعتقال المواطنين ، مما أدى إلى فقدان الثقة بين الحاكم والمحكوم ، وإن جواً من الحيرة والقلق يسود عقول المواطنين من تسلط البوليس وجريه وراء الناس وإحصائه لحركات المواطنين ؛ وفي المحيط العالمي فقد تميزت سياسة الحكومة بعدم الوضوح والسلبية من كل قضايا التحرر ، وفي القضايا الإفريقية والعربية خاصة ؛ الأمر الذي أفقد السودان سمعته الخارجية التي اكتسبها في بادئ الحكم الوطني .. وأن وضع السودان في قلب إفريقيا كان يحتم عليه أن يلعب دوراً فعالاً في تحرير إفريقيا ونصرة القضايا العربية في فلسطين والجزائر وجنوب الجزيرة .. وكل هذا يعزى لفقدان النظام الديمقراطي وانفراد الحكومة بتخطيط سياسة الحكم .

ولقد ظللتم ترددون في بياناتكم المتلاحقة أن مهمتكم مؤقتة .. ولعلكم تذكرون بيانا صريحاً يناقضه .. فمن حق الناس والحالة هذه أن يعبروا عن رأيهم في التغيير إلى وضع سليم ، وأن يشيروا بما يقترحونه طريقاً لدستور البلاد - ولا دستور لها حتى الآن - الأمر الذي لا يجد له مثيلاً في أي بلد مستقل في العالم غير السودان ، مع قيام حالة الطوارئ التي منعت المواطنين وسائل التعبير ، وأبعدت عنهم وسائل الحكم العادي ، لأن كل سلطة أصبحت في يد حاكم عسكري هو الأول والأخير في نهاية هذا كله ؛ بل لا نخال إلا أن هذا التساؤل قد خرج عن نطاق البلاد إلى العالم الخارجي .

لكل ما سبق طالبنا وسنطالب بأن يتقرر مصير الحكم في البلاد بالتشاور بين ممثلي كل الفئات المختلفة للشعب السوداني ليكون الوضع الجديد عادلاً وديمقراطياً ومنبعثاً من إرادة الشعب السوداني .

لذا نتقدم نحن الطلاب السودانيون إلى مجلسكم بهذه المقترحات يحدونا اهتمامنا بمستقبل هذا الشعب وتجنبه ويلات الفتن والانقسامات ، راجين أن تعيروها اعتباراً مخلصاً جاداً لا لشيء إلا لأن الإخلاص منبعها والجد رائدها .. وهي تتلخص في ما يلي :

1. عودة الجيش إلى أداء مهمته الأساسية ، وهي حماية البلاد والدفاع عنها .
2. إعادة الدستور المؤقت ريثما وضع دستور دائم .
3. تكوين حكومة قومية انتقالية ممثلة كافة الاتجاهات السياسية ويكون من اختصاصها :

أولا : القيام بأعباء الحكومة والسلطة التنفيذية حسب الدستور المؤقت .
ثانياً : إقرار هذه الهيئة قانوناً جديداً للانتخابات ؛ ثم تجرى انتخابات جمعية تأسيسية تصيغ وتقرر الدستور الدائم .
ثالثاً : إلغاء قانون الطوارئ وان تطلق جميع الحريات بما في ذلك حرية الصحافة وعودة الأحزاب والنقابات والاتحادات - حتى يتهيأ الجو المناسب لإجراء الانتخابات وإقرار الدستور .

نرجو بهذا أننا قدمنا مقترحات فعالة وعملية لبلادنا وجيشنا .. وتقبلوا فائق احترامنا .

هدانا الله وإياكم سواء السبيل .

اتحاد طلاب جامعة الخرطوم
اتحــاد طــلاب المعــهد الفني"
الخرطوم 8 / 11 / 1961م


***************
فيما يلي أسماء أعضاء لجنتي اتحاد طلاب جامعة الخرطوم واتحاد طلاب المعهد الفني الذين حملوا هذه المذكرة التاريخية وقاموا بتسليمها لممثل المجلس الأعلى للقوات المسلحة بمبنى رئاسة مجلس الوزراء:

لجنة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم

1. يوسف حسين
2. محمد العباس أبا سعيد
3. حاتم حمزة جاموس
4. عبد المنعم خليفة خوجلي
5. عمر يوسف بريدو
6. عبد الرحمن مصري
7. خوجلي عبد الرحيم أبوبكر
8. إسماعيل إبراهيم
9. فضل إدريس فضل

لجنة اتحاد طلاب المعهد الفني

1. الفاتح بابكر نبق
2. عبد الحميد سيد احمد الصاوي
3. محمد عثمان نقد
4. حسين عبد اللطيف الصائغ
5. مصدر مصدر
6. الحسن أحمد عكام
7. محمد الفاتح الحاج عبد الله
8. فاروق محمد نور (عليه رحمة الله)
9. جمعة آدم المكي (عليه رحمة الله)

للأسف لم تسعفني الذاكرة باسم الزميل العاشر في لجنة اتحاد المعهد الفني (ألتمس المساعدة من الأصدقاء من أجل تكملة التوثيق لهذه المذكرة التاريخية).


أوراق أكتوبرية - 6

هذه السلسلة من " الأوراق الأكتوبرية" التي أواصل كتابتها ليست توثيقاً لثورة أكتوبر، إذ أنني أكتبها من الذاكرة ، وأنا خارج السودان وتعوزني الوثائق ، بل هي ذكريات عن بعض المعالم البارزة التي علقت بالذاكرة عن تلك الحقبة وفق معايشتي لها .
وكي أنأى بها عن المذكرات الشخصية التي لا تهم سوى كاتبها ومجموعة محدودة من الذين تسعدهم (وتنهض بجيلهم) تلك الذكريات (الصادقة ونبيلة) ! ، فقد حرصت على أن ينصب التركيز فيها على الأحداث العامة . ويمكن تلخيص هدفي من هذه الكتابة ، والتي شرعت فيها أساساً تجاوباً مع رغبة بعض الأبناء من جيل الشباب ، في الآتي :

 تناول الأحداث بالتعليق والتحليل ومحاولة بلورة السمات الرئيسية لثورة أكتوبر والتقاليد النضالية التي أرستها ، عل ذلك يرشد مسيرة شعبنا التي لن تتوقف على طريق ترسيخ الديمقراطية الحقيقية وبناء الوطن الموحد وفقاً لأسس المواطنة والفرص المتساوية دون تمييز، والمشاركة في السلطة والثروة ، والإقرار بالتنوع الذي تعكسه البانوراما السودانية .

 نقل أجواء تلك الفترة للأجيال الحديثة وتزويدهم بنكهة وعبق تلك الأيام المجيدة .

 الأمل في أن يكون في هذه الكتابات بعض الفائدة لمن يضطلعون بمهمة التوثيق لأكتوبر بمنهجية ومهنية ، لكونها شهادة من أحد معاصري تلك الفترة الذين أتيحت لهم فرصة معايشة أحداثها عن قرب .

لقد عنيت الحلقات السابقة بوصف المناخ السياسي والاجتماعي وسرد بعض مظاهر المعارضة للحكم العسكري التي أدت تراكماتها إلى الثورة ، وذلك تمهيدا للانتقال - بدءاً من هذه الحلقة - لتناول الأحداث بعد ليلة الحادي والعشرين من أكتوبر .

لقد ولدت ثورة أكتوبر من رحم النضال المتصل والتضحيات طوال سنوات الحكم العسكري من قبل نقابات العمال والمهنيين واتحادات الطلاب والأحزاب السياسية . وأعيد هنا بإيجاز عرضاً لأبرز الأحداث التي أججت من روح الثورة لدي المواطنين ، (سبق تناولها في الحلقات السابقة بشيء من التفصيل) ، وهي :

إعدام قادة حركة التاسع من نوفمبر 1959م العسكرية - المقدم علي حامد ورفاقه.
 إطلاق الرصاص على شباب الأنصار بميدان المولد بأم درمان في يونيو 1961م .
 تعذيب المواطن مصطفى حسنين بالأبيض .
 مقاومة النوبيين دفاعاً عن حقهم في اختيار الوطن البديل والتعويضات العادلة .
أما أبرز أحداث الثورة وهي في قمة عنفوانها بعد ليلة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964م فيمكن إيجازها في الآتي :

إطلاق الرصاص على الطلاب في الجامعة واستشهاد القرشي :
لقد أعدت الحكومة للمواجهة الدموية مسبقا ، بدليل اقتحام داخليات الجامعة بأعداد كبيرة من القوات التي كانت مزودة بالبنادق المعبأة بالذخيرة الحية والمسدسات ؛ وكان الجنود يحملون الدروع الواقية . ولقد كان إطلاق الرصاص الحي مثيراً للدهشة وعدم التصديق ، فقد اعتقد البعض في البداية أنه (فشنك!) ، حتى تيقنوا أن حكومة نوفمبر أعدت لذلك النزال إعداداً جدياً . كذلك لقد كانت الشراسة والتصميم على الضرب في المليان Shoot to kill مؤكدة ، إذ أن الرصاصة التي أصابت الشهيد القرشي اخترقت جبينه واستقرت في مؤخرة الجمجمة (أرجو الرجوع إلى شهادة الأستاذ / عبد الله مسعود التي يصف فيها أحداث تلك الليلة التاريخية ، والمنشورة في موقع سودانيزأونلاين) .

موكب القضاة والمحامين من أمام مبنى الهيئة القضائية
في الرابع والعشرين من أكتوبر ، والذي شارك فيه أساتذة الجامعة ونقابات العمال والمهنيين . ولقد مثل هذا الموكب تحدياً سافراً للسلطة ؛ إذ حوت عريضة القضاة والمحامين المحمولة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة إدانة لتصرف السلطة مع الطلاب ، واصفة إياه بأنه أمر يستوجب المحاسبة ، ومعاقبة المسئولين عنه حتى لو كانوا أعضاء بالمجلس الأعلى .

إعلان الإضراب السياسي :
في ذات التجمع المهيب أمام مبنى الهيئة القضائية، رأى المشاركون أن السبيل الوحيد لمواجهة القوة المسلحة هو عصيانها بالسلاح المدني الوحيد - الإضراب السياسي - ودعوا المواطنين إلى البقاء في بيوتهم وعدم العودة لأعمالهم إلا بعد سقوط النظام .
تكوين جبهة الهيئات :
لغياب القيادة ،أعلنت الهيئات المشاركة في موكب القضائية نفسها قيادة سياسية .

حل المجلس الأعلى للقوات المسلحة
في السادس والعشرين من أكتوبر .

المظاهرة الجماهيرية الحاشدة في الثامن والعشرين من أكتوبر :
تدفقت الأفواج البشرية من كل صوب من العاصمة المثلثة متجهة نحو القصر بهتافاتها المدوية " إلى القصر حتى النصر - دماء القرشي تنير الطريق - إلى الثكنات يا عساكر " . وفق رواية المؤرخ بكري الصايغ فقد شارك في هذه المظاهرة حوالي ستين ألف مواطن ( وهو عدد كبير مقارنة بعدد سكان العاصمة في ذلك الوقت ) ، حصد منهم الرصاص 170 شهيداً ، قدموا أرواحهم مهرا للديمقراطية والسودان الجديد . لم يسبق إطلاق الرصاص إنذار قبل استخدامه بتلك الكثافة وتلك الشراسة ؛ لعل المبرر لذلك أنها كانت المحاولة اليائسة الأخيرة لإنقاذ النظام من السقوط أمام زحف الجماهير نحو القصر حتى النصر .

ليلة المتاريس - 9 نوفمبر :
وهي الليلة التي سهرت فيها جماهير أكتوبر حتى الصباح تجاوباً مع النداء الذي وجهه عبر الإذاعة الوزير الأكتوبري فاروق أبو عيسى بأن ثمة مؤامرة تحاك لسلب الشعب انتصاره بانقضاض القوات المسلحة على الثورة ؛ وطالب الجماهير بالخروج لحماية الثورة ,فخرجت الجماهير من كل حدب وصوب وأقفلت الطرق بمختلف المتاريس التي من شأنها إعاقة تحرك الآليات العسكرية . من الأمثلة على الحماسة الطاغية التي غمرت الجماهير على نطاق السودان ، وأشعلت فيهم الغيرة على الثورة، وضرورة الذود عنها ، أن حرك مواطنو كسلا قطاراً خاصاً للخرطوم حافلاً بجماهير الشرق الوفية ، وعلى رأسها الثائر الأستاذ / محمد جبارة العوض .

ألهمت ليلة المتاريس الشاعر/ مبارك حسن الخليفة فكتب عنها :

المتاريس التي شيدتها

في ليالي الثورة الحمراء

هاتيك الجموع

وبنتها من قلوب وضلوع

وسقتها من دماء ودموع

سوف تبقى شامخات في بلادي

تكـتمُ الأنفاس في صدر الأعادي

فالمتاريسُ دماءُ الشهداء

والمتاريسُ عيونُ الشرفاء

والمتاريسُ قلوبُ الكادحين

والمتاريسُ ضلوعُ الثائرين"

الأحد المشئوم - 6 ديسمبر :
وهو يوم الفتنة بين أبناء الوطن والذي راح ضحيته عدد كبير من الأبرياء ؛ وانطلقت الفتنة إثر تأخر وصول طائرة وزير الداخلية الأكتوبري السيد / كلمنت أمبورو ، وإطلاق شائعات حول مصير الطائرة . وكانت تلك مفارقة كبيرة ، إذ أن ما حدث من صدامات دامية كان منافياً للتفاؤل العارم بسيادة روح التآخي التي ولدتها ثورة أكتوبر التي شكل الحل السلمي السياسي لقضية جنوب الوطن أحد أهدافها الهامة . لقد استهدفت تلك الفتنة المساس بالوحدة الوطنية ونسف تطلعات ثوار أكتوبر لسودان جديد ينظر للمستقبل ، ولا تجره سلبيات الماضي إلى الوراء دائماً . وحتى لا تكون الأسباب التي مكنت من تلك الفتنة قنبلة موقوتة وتهديداً مستمراً لوحدة السودان وانطلاقه ، فإن القوى الحديثة في الشمال والجنوب في حاجة لبذل جهود دؤوبة وصبورة نحو بناء الثقة وتعزيز الإخاء الوطني .

بعد سرد هذه المناسبات والأحداث الهامة في مسيرة الثورة أود الإشارة إلى السمات الأساسية لهذه الثورة كما أراها :

هي ثورة قادتها وأخذت زمام المبادرة في صنعها الفئات المستنيرة في المجتمع من أحزاب ونقابات عمالية ومهنية .

 جماهير أكتوبر الثائرة لم تلجأ للتخريب ولم تكن تحمل عداء للمجتمع ، بل كانت في أشرس ظروف المواجهة مع النظام تتمتع بقدر كبير من الانضباط والحرص على الممتلكات العامة .

 لم تكن الظروف المعيشية من العوامل المؤثرة في قيام الثورة ، حيث شهدت تلك الفترة استقراراً اقتصادياً نسبياً . لم تكن البلاد تعاني من آثار الجفاف والتصحر وتدهور البيئة الذي أصابها في عقود لاحقة ؛ ولم تكن متأثرة بالظروف المعيشية والسكنية المتدنية التي ازدادت حدتها في العقود اللاحقة بسبب مفرزات الحروب الأهلية والنزوح ؛ ولم تكن حدة الفقر والبلورة الطبقية الحادة والتهميش بنفس المستوى الذي بلغته في السنوات اللاحقة ؛ ولم يعرف السودان حينها مثل معدلات التضخم العالمي والمحلي السائدة حالياً ، ولا بطالة الخريجين ، ولا الظروف السالبة المتعددة التي دفعت بملايين السودانيين إلى المنافي والشتات .

 ابتدعت ثورة أكتوبر وسائلها وأساليبها للتجاوب مع التطورات والأحداث المتسارعة ، والتي كانت تتطلب التحرك الفوري ودون إبطاء ؛ إذ لم تكن هناك قيادة مركزية تنتظر . وتم ملأ ذلك الفراغ بقيام جبهة الهيئات ؛ وكان ذلك تطوراً طبيعياً ، خاصة وأن الهيئات من اتحادات ونقابات هي صاحبة المبادرات ، وأعضاؤها هم المنفذون لسلاح الثورة الفعال - الإضراب السياسي . ولدت الروح الأكتوبرية لدي المواطنين الشعور بالمسؤولية والثقة بالنفس وعدم انتظار التوجيهات بما ينبغي عمله . أعضاء الاتحادات والنقابات نفذوا الإضراب السياسي بمبادرات ذاتية استجابة للنداء العام بدون انتظار اجتماعات لجان أو قرارات جمعيات عمومية .

 الطبيعة المتعجلة التي تكونت بها جبهة الهيئات لم تمكنها بأكثر من توجيه عنايتها لمهامها الآنية المتمثلة في تكوين حكومة للفترة الانتقالية واختيار رئيس للوزراء والإشراف على ترتيبات انتقال السلطة . نتيجة لتلك الظروف التي نشأت فيها جبهة الهيئات ، وانشغالها بالبرنامج المرحلي المؤقت ، لم تتوفر لها الفعالية الكاملة لتبني برنامج صلب وواضح المعالم وطويل الأمد يعبر عن جوهر تطلعات جماهير أكتوبر وطموحات القوى الحديثة .

 التقط ثوار أكتوبر أسلوب الإضراب السياسي الذي كان مطروحاً سلفاً وسط النقابات والاتحادات بشكل خاص ، كأسلوب نضالي مدني فعال في المقاومة وإحداث التغيير ؛ وهو الأسلوب الذي أعطى تنفيذه للثورة زخمها ، وزود جماهير الشعب بالثقة النابعة من الإحساس بالتضامن .

 في مسار الثورة كان ثمة صراع ملموس بين القوى الحديثة التي تتطلع إلى تغيير جذري لا يشمل نظام الحكم العسكري فقط ، بل أيضا يشمل السلبيات التي صاحبت الممارسة الديمقراطية (رغم عمرها القصير) ، وبين القوى التقليدية التي ، وإن كانت ترغب في التغيير السياسي ، إلا أنها تخشى التغيير الجذري ؛ وهي لا تريد للثورة أن تأخذ كامل مداها ، وتواصل عنفوان اندفاعها وتحقيق غاياتها الكاملة .

 من أبرز سمات ثورة أكتوبر توجيه العناية نحو أهم قضايا الوطن المتمثلة في الوحدة وتعميق الشعور بالمواطنة بين أبنائه . لذا كان واضحا للقوى الحديثة والفئات المستنيرة أنه ينبغي إيجاد الحل السلمي السياسي والجذري لقضية الجنوب ، وكذلك إيلاء أولوية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة بحيث توجه عناية خاصة في المستقبل نحو التنمية في الأقاليم الأقل نمواً . وانعكست الروح الجديدة والاهتمام بجنوب الوطن في تشكيل مجلس وزراء حكومة أكتوبر والتي مثلت فيها جبهة الجنوب تمثيلاً حقيقياً بعدد من الوزراء شغلوا وزارات سيادية هامة ، وليست هامشية كما كان عليه الحال في السابق.

***********************



ذكريات ذات صلة بالأوراق الأكتوبرية
-ذكريات عن -ع

تعيد لي الكتابات عن "ع" - ذكريات قديمة عن فترتين زمنيتين التقيت فيهما بـ (ع) وتعرفت عليه وتزاملت معه . يفصل بين الفترتين عشرون عاماً ، كما يفصل بين ظروف أي من الفترتين بون شاسع .

الفترة الأولى هي أخريات عام 1961م بسجن كوبر (وهي الفترة التي كنت قد تناولتها في سلسلة مقالاتي بعنوان " أوراق أكتوبرية " ، وذلك في إطار الحديث عن ثورة أكتوبر. وحيث أن ذكريات كوبر حافلة وشيقة ومتعددة الجوانب، لم أشأ الاسترسال التفصيلي حولها حتى لا أحيد عن وصف وتحليل الأحداث الجوهرية ذات الصلة بأكتوبر ( لربما أحتاج إلى سلسلة مقالات منفصلة بعنوان "أوراق كوبرية"!

والفترة الثانية كانت في أوائل عام 1980م بكنانة ، حيث كنت مساعدا للعضو المنتدب لشركة سكر كنانة، وكان (ع) يعمل موظفاً بشركة كبرنيل انترناشونال، وهي المقاول المسئول عن تركيب المصنع الذي تم تصنيع ماكيناته في فرنسا (شركة تكنب) ؛ كما تم تصنيع الغلايات ومحطة الكهرباء في اليابان (شركة تاكوما وشركة فوجي)؛ وحيث أن مهمة شركة كبرنيل كانت مهمة كبيرة فقد تطلبت أن يكون لهم وجود ومساكن وموظفين بموقع المشروع (وعلى ما أذكر أن عمل (ع) في الشركة كان متعلقاً بالتموين Catering ).

في الفترة الأولى ( نهاية عام 1961م) كان (ع) يقضي سنوات سجنه التي حكم عليه بها إثر دراما بنك باركليز بمدني، والتي جرت في خمسينات القرن الماضي. وأذكر أنه كان متميزاً على بقية المساجين بأن القميص الذي يلبسه به علامة خاصة - قطعة من القماش الأحمر على كتفه - وهي علامة تخص بها إدارة السجن فئة معينة من المساجين ممن ترى أنهم جديرين بحمل ذلك الوسام !

وفق ما تقضي به لوائح كوبر فإن هناك ساعة في نهار اليوم يقضيها المعتقلون السياسيون خارج جدران السجن ، في الهواء الطلق تحت ظلال الأشجار ، وذلك بتوصية من طبيب السجن (الدكتور الإنسان/ يوسف عثمان) من منطلق الحفاظ على الصحة النفسية للمعتقلين . حركة الخروج من السجن والعودة إليه بعد نهاية هذه "الفسحة" تتيح الفرصة للقاءات عابرة ، وأحياناً تكون ممتدة ، بين المعتقلين السياسيين فيما بينهم ، وبين المساجين المحكومين من غير السياسيين. كانت ساعة "الفسحة" هذه هي الفترة التي كنا نلتقي فيها بـ (ع) ونتحاور معه ، ومع آخرين من بينهم شخص ترك لدينا انطباعاً مؤثرا ( امسك عن ذكر الاسم ) ؛ وهو لا تنطبق عليه صفة الإجرام ، بل كنا نلمس فيه كل الصفات السودانية الإيجابية - كل ما هناك أنه كان يقيم العدالة الاجتماعية بطريقته الخاصة دون اكتراث لمدى قانونية ذلك !

الأصدقاء خوجلى عبد الرحيم أبو بكر ( عليه رحمة الله ) ومحمد العباس أبا سعيد كانوا من أكثر زملائنا مداومة وحرصاً على اللقاءات مع هؤلاء المسجونين ، وخلق علاقات إنسانية معهم . وكلا الصديقين يتمتع بحس أدبي رفيع يجعلهما يتذوقان طعم هذه التجارب الفريدة التي تسمح لهما بالغور في أعماق النفس البشرية وتلمس ما تمور به من دوافع وطموحات وصراع . وكانا يثقان من أن وراء أي من هؤلاء المساجين ظروف مجتمعية معينة قادته إلى ما هو فيه ، وكان ذلك مدخلا لصحبة قوامها الثقة التي تساعد على البوح. ومن المعروف أن ظروف السجن تنشا عنها صحبة ذات طبيعة حميمة وودودة ، ناشئة من معايشة الظروف المشتركة والعيش خلف الأسوار سوياً . وفي القرآن الكريم (سورة يوسف) نتعرف على العلاقة الخاصة التي نشأت بين نبي الله يوسف الصديق وبين صاحبي السجن، اللذين ظل يدعوهما إلى التوحيد ، بينما هما يبوحان له بهمومهما وشجونهما ، ويستفتيانه في تفسير أحلامهما عسى أن يجد لهم أملاً يخرجهم من مصيرهما البائس .

في ليالي كوبر الموحشة كان الصديق خوجلي (أبو الجاز) يمتعنا بأن يعيد علينا بأسلوبه المشوق والمثير حصيلة لقاءاته مع مختلف (أصدقائه!) . ونظراً للظروف غير التقليدية التي عايشها (ع) في حياته الحافلة ، كانت القصص المروية عنه هي الأكثر تشويقاً وإثارة ! فهو مثلاً يحكي عن ارتباطه بالحركات الثورية للسود في أمريكا، ومشاركته في نضالهم من أجل اكتساب الحقوق المدنية، وغير ذلك من أوجه النشاط السياسي (خاصة وأنه يحكي لمعتقلين سياسيين !) . وكان أكثر ما يركز عليه (ع) هو نفي الصفة الظالمة ( في تقديره)التي قد يطلقها البعض عليه، والتي تساوي بينه وبين من يتسورون البيوت، ومن يقطعون محافظ النساء ! إذ أن ما قام به عمل أنبل من ذلك ! ولا بد – في تقديره - من أن تتسع اللغة بحيث توفر الكلمات التي تعبر عن الوصف الدقيق الذي يميز بين التصنيفات المختلفة (للأعمال) ! .

لست متأكدا إن كان الأخ المرحوم خوجلي قد سجل مذكراته عن تلك الفترة ؛ لكني أعرف أن الأخ محمد العباس أبا سعيد قد كتب بأسلوبه الأدبي الممتاز مجموعة قصص قصيرة معبرة وشيقة تمثل حصيلة انطباعاته عن (صداقاته) مع المساجين (ومن بينهم ع ) (وأيضاً مع السجانين). وإذا ما وجدت هذه المخطوطة ربما توفر مادة جيدة عن ما رواه (ع) عن نفسه ، وذلك لأن كتابة الأخ الأستاذ / أبا سعيد عبارة عن صور قلمية حية للشخصيات التي تناولها.

الفترة الثانية التي جمعتني بـ (ع) كانت في مطلع الثمانينات من القرن الماضي كما ذكرت ، لم تتح لي فيها فرصة لقاء شخصي ؛ وحرصت أن لا يتم مثل ذلك اللقاء الذي ربما يقود إلى اجترار الذكريات السابقة ، والتي ربما لا يرغب (ع) في استرجاعها أو الحديث عنها ، ويفضل أن يتركها وراءه وهو يشق طريقاً جديدا .

عرفت من كتابات البعض في منبر "سودانيزأونلاين" أن (ع) قد توفاه الله ، فلنسأل الله له الرحمة والمغفرة . وأرجو أن يتوخى الإخوة والأبناء المتداخلون الموضوعية في الكتابة ، وعدم الانسياق وراء الإثارة بإيراد قصص خيالية عنه .
**********


ذكريات ذات صلة بالأوراق الأكتوبرية
الهيلمان 4خ 1771

هناك ذكريات لا ينبغي أن تترك لتندثر.. بل لا بد لها من أن تسجل وتبقى. وذلك ليس فقط للاستمتاع الشخصي بها، وإشباع الرغبة في الهروب من مرارات الحاضر للاستراحة تحت مظلة ما عرف بالزمن الجميل، بل لأنها ذكريات مرتبطة بأحداث هامة.

من بين هذه الذكريات العذبة (العربية) (ولا أقول السيارة! كجزء من التأصيل!) الهيلمان 4خ 1771، والتي ترجع أهميتها الأساسية ( فلها أهمية أخرى) إلى دورها الوطني في ثورة أكتوبر 1964- وهي آنذاك في عز شبابها (أو قل طفولتها النضرة) إذ كان عمرها أربعة سنوات.. ومن يعرف تاريخ العربات في السودان لا بد وأن يعرف عن الجودة التي تميزت بها (هيلمان 60)، والسمعة الممتازة التي صاحبتها لعقود تلت بعد عام إنتاجها 1960م.

اشتريت هذه العربية وأنا خريج جديد (Scale Q) وعمري في الخدمة عام واحد! أستطيع أن أتخيل الدهشة التي ترتسم على وجوه الأبناء من الجيل الجديد الذين لا يستطيعون أن يصدقوا أن الحكومة الرشيدة توفر مثل تلك العناية للخريجين الجدد! ولمساعدة أبناء هذا الجيل من التجميع والاستيعاب ، وقبل أن يتهموني بالمبالغة (إن لم يكن الخرف!) أوضح لهم أنني اشتريت العربية على نظام البيع الإيجاري وبسلفية من الحكومة قدرها 240 جنيها – وهي القيمة التي قدرتها مصلحة النقل الميكانيكي (وقيمة الهلمان الجديدة في الـ Show Room بشركة برسميان كانت 480 جنيهاً بالكمال والتمام! وبما أن السلفية تسدد في خمس سنوات، فإن القسط الشهري الذي أقوم بدفعه هو أربعة جنيهات! كانت تخصم مباشرة من مرتبي (وكان مرتباً معتبراً قدره 37 جنيهاً).. وكان الزملاء بالميز من النبل بحيث أنهم رأوا أنه من غير المعقول أن أتحمل وحدي عبء هذا القسط المرهق! بينما هم مستفيدون من خدمات العزيزة الهلمان.. فما كان منهم إلا أن أدخلوا قسط العربية ضمن مصروفات الميز التي ندفعها بالتساوي.. كان مكسبهم من ذلك أنهم أصبحوا سياد حق، وعينهم قوية عندما يستغلون الفارهة في الوصول إلى وزاراتهم بالخرطوم والرجوع منها، وينعمون بخدماتها المسائية كذلك. . هكذا فإن قصة هذه الهلمان تؤرخ لتاريخ التضخم في السودان! إذ أن أربعة جنيهات تجعلك أنت وزملاءك في الميز تركبون فخر الصناعة البريطانية هيلمان 60!

ثم نأتي إلى دور الهيلمان 4خ 1771 في ثورة أكتوبر (والتي لا أود أن أسترسل بالكتابة عنها في (ناسنا) هذا البوست ذي الطابع الخاص.. وأعيدكم إلى بوست "أوراق أكتوبرية" للتزود بالخلفيات) .. ضمن الإعداد للمظاهرة التي انطلقت إثر حل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والتي كانت بدايتها من نادي الأساتذة بشارع الجامعة (طريق الجامعة .. مشهداً يا موطني ما أروعه!)، كان علينا تحضير ميكرفون ليثبت على العربة التي تتقدم الموكب التاريخي... نجحنا في إقناع صاحب الميكرفون بالخرطوم بحري، والذي تردد بعض الشيء لأنه لم يكن واثقاً تماما من أن النظام قد انتهى، وأن ليس هناك ما يخشاه كما نزعم!.. المهمة التالية بعد النجاح في الحصول على الميكرفون كانت تحديد العربية التي سوف ينصب عليها المكرفون.. وهنا انبرت الهلمان4خ 1771 المقدامة..مقدمة صباعات بطاريتها بكل أريحية! وأحنت ظهرها لكي يثبت فوقه ال Loud Speaker الذي سوف يجسم الهتافات المنطلقة من حناجر ثوار أكتوبر.. لم أجلس على كرسي القيادة لأني كنت حديث عهد بالسواقة (إذ أني حصلت على سلفية العربية قبل الحصول على رخصة السواقة والتي احتفظ بها حتى الآن وهي تحمل تاريخ 20 أكتوبر 1964م!). لذا فقد تولى السواقة زميل آخر، وامتلأت بقية المقاعد بعدد من الثوار الذين ظلوا يتبادلون ترديد الهتافات لترددها بعدهم الجماهير " إلى القصر حتى النصر".. وقد تعرض الموكب لإطلاق الرصاص ..وكان ذلك اليوم هو الذي قدمت فيه ثورة أكتوبر قوافل من الشهداء .

كما ذكرت لا أرغب في تكرار أحداث أكتوبر؛ غير أني أود أن ألفت الانتباه إلى شهادة الأستاذ عبد الله مسعود عن أحداث يوم 21 أكتوبر والتي تضمنتها "أوراق أكتوبرية"، حيث وردت فيها إشارة إلى الهلمان 4خ 1771.

كما تلاحظون فإن الرقم 1771 متميز بكونه Symmetrical ، كما أنه موسيقي ومنغم (سبعطاشر واحد وسبعين!)، وهذا ما جعل الأصدقاء الأوفياء للهيلمان - وهم في نشوة انتصار الثورة - يرددون مع الفنان محمد الأمين:

أكتوبر واحد وعشرين يا صحو الشعب الجبار
سبعطاشر واحد وسبعين يا مشعل غضب الأحرار!

بعد سنوات أعدت الهلمان إلى مصلحة النقل الميكانيكي لكي تعيد تسليفها لموظف آخر، ويوقف عني استقطاع القسط المرهق!

أيتها الهيلمان العزيزة – أنا وأبناء جيلي كذلك مدينون لك باعتذار تاريخي، حيث أننا لم نوفك قدر حقك ، إذ أن مكانك كان هو المتحف القومي!

وشد ما أحزنني وأنا أسلمها للنقل الميكانيكي أن أحد موظفي المصلحة لاحظ أن كلمة HILLMAN المكتوبة بحروف بارزة على واجهة العربية قد سقط منها حرف الـ H لتبقي بقية الكلمة ILLMAN! .. ما تستاهلي يا وجدان الجيل .. يا مشعلة غضب الأحرار..

****************