الأنثربولوجيا الاجتماعية والتنمية
بقلم: عبد المنعم خليفة خوجلي
بروفيسور طلال أسد
هو سعودي المولد وباكستاني النشأة. وقد كانت الأنثروبولوجيا الاجتماعية على النهج البريطاني معينه على دراسة التركيبات الاجتماعية. غير انه انفتح مؤخراً على النموذج الأمريكي للأنثروبولوجيا والمشتمل على الجوانب السايكولوجية والجوانب الرمزية.
جاء كتابه: "عرب الكبابيش.. القوة والسلطة والقبول" The Kababish Arabs: Power, Authority and Consent انعكاساً لأفكاره في ذلك الوقت، والتي ربطت ما بين الأنثروبولوجيا والاستعمار. فكان يرى أن الاستعماريين في محاولاتهم تجريم العادات التي يعتبرها الأوربيون قاسية ووحشية، لم يكن اهتمامهم الحقيقي موجهاً نحو معاناة السكان الأصليين، بل كان متركزاً على فرض ما يعتبرونه هم معايير متحضرة متعلقة بالعدالة والإنسانية.
بعد مضي نصف قرن من عهد طلال أسد بجامعة الخرطوم، وأبحاثه عن عرب الكبابيش، رأيت أن أعرف عنه معلومات حديثة (حيث أنني، ولسنوات عديدة، لم أكن متابعاً لمسيرته ولا لمسيرة الأنثروبولوجيا). ومن خلال المعلومات التي وفرها لي محرك البحث (جوجل) على الشبكة العنكبوتية، عرفت أن بروفيسور طلال أسد الآن واحد من أشهر أساتذة الأنثروبولوجيا الاجتماعية، وأنه يعمل حاليا محاضرا بجامعة مدينة نيويورك.
بروفيسور إيان كننسون Ian Cunninson
ينتمي كننسون أيضاً إلى المدرسة البريطانية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، وهو كذلك أحد الرواد في هذا الميدان من الذين ارتبطوا بدراسات وأبحاث السودان. تتلمذت على يديه في السنة الأولى والثانية من دراستي بكلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية بجامعة الخرطوم، وكان هو ومستر ريفش مدخلنا لهذا العلم الجديد، والذي يدرس للمرة الأولى في جامعة الخرطوم كما أسلفت.
عاش كننسون مع قبيلة المسيرية الحمر، والذين هم فرع هام من أفرع قبيلة البقارة العريضة. ارتبط كننسون بقبيلة الحمر ارتباطاً وثيقاً وحميماً أثناء فترة اضطلاعه بأبحاثه في خمسينات القرن الماضي (وهو يواصل تلك العلاقات حتى اليوم، وله صداقات باقية وحوارات مع العديد من المثقفين من أبناء المسيرية والدينكا) .
من الطريف أن المسيرية أحبوا كننسون ووثقوا فيه لدرجة أنهم اعتبروه واحداً من أبنائهم؛ وكان يشاركهم المأكل والملبس والنزوح (هو بالفعل كان شخصاً صدوقاً ومحبوباً). وقد منحته القبيلة وضعاً افتراضياً يمكنه من التعرف بصورة عملية على الكيفية التي تتم بها تبادلية العلاقات الاجتماعية؛ فكان نتيجة لوضعه المفترض ذاك هو مثلاً ابن أخت للبعض، وخال لآخرين! وتصرفاته بالتالي وفقاً لنمط التصرفات السائدة في القبيلة نحو أولئك الأقارب. لقد كان ذلك أسلوباً فريداً في الدراسات والأبحاث.
يعتبر مؤلفه: عرب البقارة The Baggara Arabs، والذي هو خلاصة دراساته الميدانية تلك، من الدراسات الأنثربولوجية الهامة عن المسيرية الحمر. وكان التركيز فيه منصباً على علاقات السياسة والسلطة داخل القبيلة.. كما أن فيه متابعة لتأثيرات مؤسسات الحكم التي أدخلها الحكم الثنائي، والتغييرات التي أحدثتها في مجتمع الحمر. والكتاب، إلى جانب كونه مثيراً لرغبة الأنثروبولوجيين المهتمين بالمنطقة، فهو أيضاً مرجع للراغبين في التعرف على الاقتصاد السياسي، وإيجاد أشكال بديلة تحافظ على النظام الاجتماعي. للمؤلف أيضاً كتاب: الدور الاجتماعي للأبقار The Social Role of Cattle .
من النتائج التي توصل إليها كننسون في ذلك الوقت أن عرب المسيرية يقيمون وزنا كبيراً لتراكم ثرواتهم، ممثلة في العدد الذي يملكونه من الأبقار، بأكثر من ما يملكون من ثروة نقدية، لا يلمسها المجتمع كما يلمس الثروة الظاهرة المتمثلة في العدد الكبير والمتنامي من القطيع. وخلص كننسون من ذلك إلى أن البقارة لا يميلون إلى بيع الأبقار، حتى وإن كانت الأسعار جيدة؛ بل وأنه خلافا للقاعدة الاقتصادية المعروفة، في حالة الأسعار الجيدة، ربما يبيعون أبقاراً أقل؛ وذلك لأنه بالعدد القليل من الأبقار التي يبيعونها بتلك الأسعار الجيدة، يستطيعون أن يلبوا احتياجاتهم البسيطة من السلع التي تتطلب النقد لشرائها. ويعزي كننسون فشل تجربة مصنع تعليب اللحوم بكوستي (منتصف الخمسينات) إلى عدم تمكن المصنع من الحصول على الكميات الكافية من الأبقار، بسبب عدم ميل البقارة إلى بيع الأبقار. وربما تكون هناك أسباب اجتماعية مماثلة (بالإضافة إلى أسباب أخرى) في فشل مشروع ألبان بابنوسة ، والذي هدف إلى توطين الرحل. (تعليقاً على محاضرة كنت قد قدمتها بالنادي الاجتماعي للجالية السودانية بمسقط عن الهوية السودانية، ذكر بروفيسور صالح العريفي أستاذ الجغرافية الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس آنذاك بأنه يختلف مع كننسون في هذا الجانب، ويرى أن اهتمام البقارة بزيادة ثرواتهم من الأبقار وراءه منطق اقتصادي Economic Rationality، وليس لمجرد كونه تعبيراً عن المكانة الاجتماعية).
من الجدير بالذكر أن مجموعة أساتذة الأنثربولوجيا الاجتماعية الرواد بجامعة الخرطوم: إيان كننسون وطلال أسد وريفش، كانوا قد تحولوا جميعهم إلى جامعة (هل) ببريطانيا في وقت لاحق، حيث أسسوا كلية لدراسات الأنثروبولوجية الاجتماعية هناك. (وكان الإداري السوداني الفذ السيد/ حسن دفع الله- معتمد تهجير أهالي حلفا- قد أعد سفره القيم: هجرة النوبيين The Nubian Exodus في جامعة (هل) تلك تحت إشراف بروفيسور كننسون).
رأيت أن أتابع مسيرة بروفيسور كننسون بعد مضي نصف قرن من ارتباطنا به بجامعة الخرطوم، بالاستعانة بمحرك البحث (جوجل) على الشبكة العنكبوتية.. فسرني أن وجدته لا يزال في كامل حيويته ورغبته المتجددة في السودان بشكل عام، وفي عرب المسيرية بشكل خاص، بل وأنه أصبح مرجعاً مشهوراً على المستوى العالمي في هذا المجال. ومن المثير للدهشة أنه شارك مؤخراً في مفاوضات التحكيم بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان/ الجيش الشعبي لتحرير السودان حول ترسيم حدود أبيي، والتي جرت في المحكمة الدائمة للتحكيم بقصر السلام في لاهاي؛ وكانت حكومة السودان قد طلبت شهادته حول حقوق المسيرية في الرعي والحقوق التقليدية الأخرى.
ونظراً للاحترام الذي يحظى به كننسون كأكاديمي موضوعي ومحايد، فإن الحركة الشعبية/الجيش الشعبي ظلت أيضاً تشدد على أبحاثه – رغم كونه من شهود حكومة السودان – وتستند إلى أقواله لتؤكد أن الدينكا يقيمون بصورة دائمة في جزء كبير من منطقة البحر.. وأن لقبيلتي النوير والدينكا منازل دائمة يهجرونها في فترة من السنة، وغير ذلك من الحجج التي ظل يقدمها كل من الطرفين استناداً على أقوال كننسون وإحصائياته.
ختام
انطلاقا من هذه الذكريات التي بدأتها بتناول الخلفية التاريخية لتأسيس هذا العلم بكلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية بجامعة الخرطوم، رأيت الآن وبعد مضي أكثر من نصف قرن على تلك الفترة، أن أنظر بموضوعية أكثر للأنثربولوجيا الاجتماعية من زوايا متعددة، وأساهم في تحفيز من تخصصوا في هذا المجال أن يدلوا بدلوهم حول كيفية توظيفها لفهم ثقافات بلادنا، من أجل تطويرها وجعلها مرتكزاً سليماً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ وما هو أكثر أهمية، جعل ذلك الفهم المنطلق لترسيخ الوحدة الوطنية القائمة على احترام التنوع الإثني والثقافي، وتحويله - كما ينبغي أن يكون - مصدر ثراء وتميز للسودان.
*************