Tuesday, August 31, 2010

الأنثربولوجيا الاجتماعية والتنمية -2

الأنثربولوجيا الاجتماعية والتنمية -2
بقلم: عبد المنعم خليفة خوجلي


كان لا بد من إخضاع تلك الأفكار المسبقة والشكوك والتساؤلات للمحك العملي، من خلال البدء في التعرف على المنهج المعد، والمادة
المقدمة عملياً على قاعات الدراسة، ومن خلال الحوار الموضوعي المنعقد وفقاً للتقاليد الجامعية. ومن الجدير بالذكر هنا أنه كانت قد تأسست في تلك السنوات الأولى لقيام الكلية الجديدة، جمعية لطلاب الأنثروبولوجيا الاجتماعية؛ كان هدفها هو تعريف الوسط الجامعي، والمجتمع عموما، بهذا العلم الجديد، وشرح جوهر رسالته. كما كان من أهدافها أيضاً تعزيز الصداقة بين الطلاب والأساتذة. وقد رحب الأساتذة بقيام تلك الجمعية الطلابية، ودعموها وساعدوها في إصدار مجلة باللغة الإنجليزية اسمها Society كان يشارك في تحريرها والكتابة فيها الطلاب والأساتذة. كانت المجلة منبراً جيداً للحوار الموضوعي حول بعض القضايا الاجتماعية، وكذلك المسائل المثيرة للجدل، والتي كانت تتباين حولها الرؤى. كما حوت المجلة مقالات متنوعة لموضوعات ذات صلة بالمتغيرات في المجتمع.. أتوقع أن تكون أعداد من المجلة موجودة بدار الوثائق القومية؛ كما آمل أن يكون رئيس الجمعية، الأخ والصديق/ محمد العباس أبا سعيد (السفير لاحقا)، محتفظاً ببعض أعداد تلك المجلة.

استهوت الأنثروبولوجيا طلاباً من الرعيل الأول من أبناء جيلنا الذين درسوها؛ فواصلوا دراستها ونالوا درجة بكالوريوس شرف، وتم ابتعاثهم لبريطانيا للدراسات العليا (الماجستير والدكتوراة) والتحقوا بهيئة التدريس بالجامعة كأول أساتذة سودانيين في هذا العلم.. أذكر منهم د. تاج الأنبياء علي الضوي، ود. فهيمة زاهر سرور (والتي تخصصت في علم الاجتماع الحضري Sociology).

الأنثربولوجيا الاجتماعية

إذا ما رجعنا لتعريف الأنثروبولوجيا عموماً، فيمكن وصفها بأنها علم الأنسنة، أو علم الأجناس؛ أي أنها تهتم بالجنس البشري وسماته المميزة، وتبحث في تفسير الفروقات والاختلافات بين المجموعات المختلفة من البشر، وتأثير تطور الجنس البشري في التنظيم الاجتماعي والثقافي. هذا ما كان من أمر الأنثروبولوجيا عموماً. غير أن ما يعنينا بوجه خاص هنا هو ما يشار إليه في الأدبيات البريطانية بالأنثروبولوجيا الثقافية، أو الأنثروبولوجيا الاجتماعية. ويرجع هذا العلم بجذوره إلى كل من العلوم الطبيعية، والإنسانيات، والعلوم الاجتماعية؛ وهناك رأي عام حول الأنثروبولوجيا الاجتماعية كعلم، مفاده أنه علم فضفاض وغير محدد. ويحمل هذا الرأي أنثربولوجيون مشهورون مثل بروفيسور طلال أسد من جامعة مدينة نيويورك؛ وهو يشير ألى التداخل بينه وبين علوم أخرى كثيرة خارجة عنه، مثل اللاهوت في القرن التاسع عشر، والكلاسيكيات في مطلع القرن العشرين، وعلم الاقتصاد السياسي، وعلم التاريخ (عبر الماركسية).

رواد الدراسات الأنثروبولوجية

الباحث الرائد في الدراسات الأنثروبولوجية عن السودان هو بروفيسور سليجمان C.G. Seligman والذي اضطلع بأبحاث امتدت لخمسة وعشرين عاماً في جنوب السودان وجبال النوبة. وقد تعامل مع القبائل التي قام بدراستها بأسلوب منتظم من حيث المنهجية في تناول الموضوعات، والتي تضمنت: نظم الحياة العامة – صلات القربى – الحياة الأسرية والزواج – صناعة المطر – طقوس الوفاة والجنائز . كما تناول باستفاضة الوضع الذي يحتله السحر Witchcraft في حياة تلك القبائل. وقد أبرز سليجمان في هذا الجانب التناقض بين مفاهيم الدارسين من الأوربيين، والبيض عموما، وبين الخلفيات التي تشكل وجود الإنسان من تلك القبائل وأساسيات تفكيره. إن النفاذ إلى جوهر مكانة السحر والكهانة في عقول تلك القبائل أمر يتطلب التعاطف مع الأساس السايكولوجي لمعتقدات ما وراء الطبيعة بشكل عام.

توج بروفيسور سليجمان نتائج أبحاثه بمؤلفه الكلاسيكي الضخم (565 صفحة)، والذي صدر في عام 1932م: "القبائل الوثنية في السودان النيلي" Pagan Tribes of the Nilotic Sudan . ويعتبر الكتاب مرجعاً هاماً للمهتمين بالسودان سواء كانوا أكاديميين أو إداريين. وقد عبر سير هارولد ماكمايكل، السكرتير الإداري لحكومة السودان، عن تثمينه العالي للعمل الذي قام به بروفيسور سليجمان وزوجته، والذي وصفه بأنه جاء مسحاً شاملاً للناس في تلك القبائل من حيث تقاليدهم وثقافتهم وطريقة تفكيرهم؛ بينما كانت الكتابات الكثيرة التي كتبت عن جنوب السودان قبل ذلك مجرد كتابات مبعثرة نوعاً ما، ولا يمكن الاعتماد عليها. كذلك أشاد سير ماكمايكل بالقيمة العملية العظيمة للعمل الذي قام به سليجمان وزوجته، والخدمة الجليلة التي أدياها لزملائهما من الباحثين، ولإدارة حكومة السودان أيضاً.

ظلت حكومة السودان تدرك قيمة تلك الأبحاث، وتستفيد منها في تطبيقها على إدارة شئون تلك القبائل؛ ولذلك ظلت تتابعها برغبة وتقدم لها المساعدة. ولقد استفاد من أبحاث بروفيسور سليجمان تلك، وواصلها، باحثون آخرون في علوم الأنثروبولوجيا الاجتماعية، لعل أبرزهم هو بروفيسور إيفانز برتشارد
.
بروفيسور إيفانز برتشارد Evans Pritchard

تأثر بروفيسور إيفانز برتشارد - كما أسلفت- بشكل خاص ببرفيسور سليجمان- مؤسس الإثنوغرافيا السودانية - وواصل اهتمامه بدراسة القبائل في جنوب السودان.

بدا إيفانز برتشارد دراساته الميدانية بقبيلة الزاندي، وله مؤلفه الكلاسيكي عنها: "العرافة والكهانة والسحر عند الزاندي" Azande Witchcraft, Oracles and Magic ، والذي يعتبر أول إسهام أنثروبولوجي كبير لسسيولوجيا المعرفة، وفيه تعبير محايد عن صحة معتقدات الزاندي حول السببية (Causation). واصل إيفانز برتشارد بعدها دراساته عن قبيلة النوير، حيث كتب ثلاثيته: النوير The Nuer – ديانة النوير Nuer Religion – النسب والزواج عند النوير Nuer Kinship and Marriage.

كذلك كتب مؤلفه الشهير: "الأنظمة السياسية الإفريقية" African Political Systems، والذي يعتبر المؤلف الكلاسيكي عن الأنثروبولوجيا الاجتماعية على نهج المدرسة البريطانية.

وكما تأثر إيفانز برتشارد بسليجمان، فقد أثر هو أيضاً على باحثين آخرين نجح في إثارة الرغبة فيهم حول أبحاث السودان، وفي جعلهم ينتهجون نهج المدرسة البريطانية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية. أذكر من هؤلاء طلال أسد والذي قام بدراسات ميدانية عن قبيلة الكبابيش خلال السنوات الخمس التي التحق فيها بجامعة الخرطوم (نهاية الخمسينات وبداية الستينات)؛ وكانت لجامعة الخرطوم حينها صلات أكاديمية وثيقة مع جامعة أكسفورد، حيث يعمل بروفيسور إيفانز برتشارد.
يتبع..

No comments:

Post a Comment